طائر يُساء فهمه لكنه يؤدي دورًا حيويًا
تحلّق النسور عاليًا فوق السافانا والصحارى والجبال، فتبدو ظلالها واضحة على الأفق. ولقرونٍ طويلة، جرى تصويرها في الأساطير والأدب كطيور نذير شؤم، مرتبطة بالموت والانحلال وسوء الطالع. لكن هذه السمعة تخفي الحقيقة: فالنسور من أكثر الكائنات فاعلية في الحفاظ على الحياة في الطبيعة. فهي تُعرف بـ “فريق التنظيف في الطبيعة”، إذ تلتهم الجيف، وتمنع انتشار الأمراض، وتُعيد تدوير المغذيات إلى النظم البيئية.
في يوم السبت، 6 أيلول/سبتمبر 2025، سيحتفل دعاة حماية البيئة، والمدارس، وعشّاق الطبيعة، والمجتمعات حول العالم باليوم الدولي للتوعية بالنسور (IVAD). فهذا اليوم ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو نداء عالمي لحماية بعضٍ من أكثر الطيور المهددة على وجه الأرض. ففي إفريقيا وآسيا وأوروبا والأميركيتين، تشهد أعداد النسور تراجعًا حادًا، إذ انخفضت أعداد بعض الأنواع بما يزيد عن 90% خلال العقود الأخيرة. ويأتي هذا اليوم ليجمع الناس معًا من أجل فهم هذه الطيور، وتقدير قيمتها، واتخاذ خطوات لحماية هذه الحُرّاس المجهولين لصحة النظم البيئية.
لماذا تُعَدّ النسور مهمّة؟
فريق التنظيف في الطبيعة
تشغل النسور موقعًا بيئيًا فريدًا. فعلى عكس الحيوانات المفترسة، نادرًا ما تصطاد فرائس حيّة، بل تختصّ باستهلاك الحيوانات النافقة بسرعة، والتي لولاها لتعرضت للتعفّن ونشر مسببات الأمراض وجذب نواقل الأوبئة. وفي الهند، أظهرت الدراسات أنّ الانخفاض الكارثي في أعداد النسور خلال تسعينيات القرن الماضي أدّى إلى انفجار في أعداد الكلاب الشاردة، ما تسبب بانتشار داء الكلب (السُّعار) وأودى بحياة آلاف الأشخاص. إن غياب النسور لا يشكّل مجرد مشكلة بيئية، بل أزمة صحية عامة أيضًا.
الوقاية من الأمراض
بفضل أحماض معدتها القوية القادرة على تحييد الجمرة الخبيثة (الأنثراكس) والتسمم الوشيقي وداء الكلب، تؤدي النسور دورًا طبيعيًا في السيطرة على المخاطر البيولوجية. فهي، من خلال التهام الجيف خلال ساعات، تقطع سلسلة العدوى التي قد تصل لولاها إلى الماشية والحياة البرية والبشر. وتُقدّم هذه الخدمة الصامتة، التي تكاد تكون غير مرئية في المجتمعات الحضرية، وفورات تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا من تكاليف الرعاية الصحية المحتملة.
الأهمية الثقافية والروحية
بالنسبة للزرادشتيين في الهند، لعبت النسور دورًا مقدسًا في ما يُعرف بـ “الدفن السماوي”، حيث تُوضَع الجثامين في “أبراج الصمت” لتلتهمها النسور، مُعيدَةً الجسد البشري إلى دورة الحياة من دون تلويث الأرض أو النار. وفي التبت ومنغوليا، تعكس ممارسات مشابهة احترامًا عميقًا لهذه الطيور. وبعيدًا عن هذه التقاليد، ترمز النسور إلى التجدد — فهي تذكير أساسي بأن الموت يغذي الحياة في النظم البيئية المتوازنة.
أزمة النسور
على الرغم من أهميتها، تُعَدّ النسور من بين أكثر مجموعات الطيور تهديدًا بالانقراض على مستوى العالم.
-
التسميم: في إفريقيا، تنفق النسور بأعداد هائلة نتيجة تغذّيها على جِيَفٍ مسمّمة وُضِعت لقتل الأسود أو الضباع أو الكلاب الشاردة. وقد يتسبب جَيف فيل واحد مسموم في القضاء على مئات النسور.
-
الأدوية البيطرية: في جنوب آسيا، أدّى استخدام عقار “الديكلوفيناك” (diclofenac) على نطاق واسع لعلاج الماشية إلى فشل كلوي في النسور التي تناولت جِيَف الحيوانات المعالَجة به. وقد شكّل هذا العامل وحده السبب الرئيسي لانهيار شبه كامل في أعداد عدة أنواع، منها النسر أبيض الظهر والنسر الهندي.
-
الصعق الكهربائي والاصطدامات: تشكل خطوط الكهرباء وتوربينات الرياح تهديدًا متزايدًا، خصوصًا في ممرات الهجرة عبر إفريقيا وأوروبا.
-
فقدان الموائل: يؤدّي التوسع العمراني وإزالة الغابات والتوسع الزراعي إلى تقليص المساحات الآمنة التي تحتاجها النسور للتعشيش والراحة.
-
الاضطهاد: في بعض المناطق، تنسج الخرافات صورةً للنسور كطيور شؤم، ما يؤدي إلى قتلها عمدًا. وفي مناطق أخرى، تُباع أجزاؤها لاستخدامها في الطب التقليدي.
والنتيجة صادمة: 16 نوعًا من أصل 23 نوعًا من النسور في العالم مهددة بالانقراض.
اليوم الدولي للتوعية بالنسور: النشأة والغاية
بدأ اليوم الدولي للتوعية بالنسور (IVAD) كمبادرة مشتركة بين برنامج الطيور الجارحة في جنوب إفريقيا ومؤسسة هوك للحفاظ على الطيور في المملكة المتحدة. ومع مرور الوقت، تطور ليصبح حركة عالمية، يشارك فيها حدائق الحيوانات، والمنظمات غير الحكومية، والمدارس، وعشّاق مراقبة الطيور. وفي كل عام، في السبت الأول من شهر أيلول/سبتمبر، تُنظم أنشطة لتسليط الضوء على حماية النسور، ونشر المعرفة، والاحتفاء بدورها في النظم البيئية.
يقدّم الموقع الرسمي vultureday.org موارد مجانية — من أوراق معلومات ورسوم بيانية إلى ألعاب وصفحات تلوين و”رحلات البحث عن الكنز”. وسواء عبر أنشطة يدوية للأطفال، أو محاضرات أكاديمية، أو حملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام وسم #VultureDay، يمكن للجميع المشاركة.
كيف يحتفل العالم في عام 2025
هذا العام، تستعد منظمات عبر القارات لتنظيم فعاليات متنوعة:
-
المحاضرات والأنشطة التعليمية: تستضيف حدائق الحيوانات ومراكز الحياة البرية محاضرات تهدف إلى تبديد الخرافات حول النسور، إلى جانب عروض حيّة لسلوكها الفريد في التغذية.
-
ألعاب وحِرَف للأطفال: أنشطة مثل بنكو النسور، وألعاب الذاكرة، وتمارين التوصيل بين النقاط (لأنواع مثل الكوندور الكاليفورني أو النسر الملكي) تساعد الجيل الجديد على فهم النسور كحلفاء للطبيعة، لا كرموز للشؤم.
-
الفن وسرد القصص: تعتمد المدارس صفحات تلوين ومسابقات فنية تحت شعار “فريق التنظيف في الطبيعة”.
-
العِلم المجتمعي: تنظم مجموعات مراقبة الطيور إحصاءات للنسور، لتزويد برامج المراقبة الدولية ببيانات مهمة.
-
حملات عالمية على وسائل التواصل الاجتماعي: من خلال استخدام الوسوم #VultureDay ووضع إشارة إلى @VultureDay على إنستغرام، يمكن للأفراد مشاركة قصصهم وصورهم وتأملاتهم، مما يجعل النسور موضوعًا رائجًا على المنصات الرقمية.
ومن المهم الإشارة إلى أن منسقي اليوم الدولي للتوعية بالنسور يعملون فقط كمسهّلين، فهم لا ينظمون أو يتحملون مسؤولية الفعاليات المحلية. ويتيح هذا النموذج اللامركزي للمجتمعات أن تتحمل مسؤولية نشر الوعي والعمل من أجل حماية النسور.
تسليط الضوء على أنواع النسور
اليوم الدولي للتوعية بالنسور يسلّط الضوء أيضًا على تنوّعها عبر القارات:
-
رموز إفريقيا: النسر ذو الوجه المطوي (Lappet-faced Vulture)، والنسر أبيض الظهر (White-backed Vulture)، والنسر المقنّع (Hooded Vulture)، وهي تلعب أدوارًا محورية في أنظمة السافانا البيئية.
-
عمالقة آسيا: النسر الأسمر الهيمالاياوي (Himalayan Griffon)، والنسر الأسود (Cinereous Vulture)، يحلّقان فوق المناطق الجبلية العالية.
-
أقارب العالم الجديد: الكوندور الأنديزي (Andean Condor)، الذي يمتد جناحاه لأكثر من 3 أمتار، يُعتبر رمزًا ثقافيًا لأمريكا الجنوبية؛ بينما يُمثّل الكوندور الكاليفورني (California Condor) قصة نجاح في جهود الحماية، رغم هشاشتها.
-
الأنواع المهددة المتخصصة: النسر المصري (Egyptian Vulture)، المعروف باستخدامه أدوات لتكسير البيوض، ونسر اللّحّام (Bearded Vulture / Lammergeier)، الذي يُسقط العظام من ارتفاعات شاهقة للوصول إلى نخاعها، يعكسان ذكاء هذه الطيور وقدرتها على التكيّف.
يحمل كل نوع من النسور قصته الخاصة في مسيرة الحماية — بعضها مأساوي، وبعضها الآخر يحمل الأمل.
جهود وأولويات الحماية
لا يقتصر اليوم الدولي للتوعية بالنسور على نشر الوعي فحسب، بل يهدف إلى تحريك العمل الفعلي. وقد حدّد الباحثون والمنظمات غير الحكومية أولويات رئيسية للحفاظ على هذه الطيور:
-
القضاء على التسميم: من خلال الدعوة إلى تحسين طرق التخلص من الجيف، وتنظيم حملات ضد التسميم، وتوعية المجتمعات.
-
الممارسات البيطرية الآمنة: الترويج لاستخدام بدائل آمنة للنسور بدلاً من عقار الديكلوفيناك، مثل الميلوكسيكام.
-
تصميم البنية التحتية للطاقة: تعديل خطوط الكهرباء وتوربينات الرياح لتقليل مخاطر الاصطدام.
-
حماية مواقع التعشيش: عبر إنشاء محميات طبيعية ومجتمعات محلية مخصصة للحفاظ على البيئة.
-
إشراك المجتمعات: من خلال إشراك الرعاة والمزارعين والمجموعات الأصلية كشركاء في جهود الحماية.
-
التكاثر الأسير وإعادة الإطلاق: إذ تعمل برامج موجهة للأنواع المهددة بشدة مثل الكوندور الكاليفورني والنسر أبيض الظهر على إعادة بناء أعدادها في البرية تدريجيًا.
لماذا تهم أيام التوعية؟
غالبًا ما يستخفّ النقاد بـ “أيام التوعية” باعتبارها مجرد لفتات رمزية، لكن اليوم الدولي للتوعية بالنسور (IVAD) يُظهر أثرًا ملموسًا على أرض الواقع. فمن خلال تنسيق الجهود عالميًا، يضخّم الأصوات، ويُنشئ شبكات، ويجذب الانتباه العام والسياسي إلى أزمة غالبًا ما يتم تجاهلها. على سبيل المثال، أدّت أزمة النسور في الهند إلى حظر استخدام عقار الديكلوفيناك بعد أن رفعت منظمات الحفاظ على البيئة مستوى الوعي على مختلف المستويات. وبالمثل، فإن التعاون العابر للحدود بين إفريقيا وأوروبا ساهم في تحسين مراقبة مسارات الهجرة.
كيف يمكنك أن تتحرك؟
سواء كنت معلّمًا، أو طالبًا، أو من هواة مراقبة الطيور، أو مجرد شخص فضولي، فإن اليوم الدولي للتوعية بالنسور يقدّم طرقًا عملية للمشاركة:
-
تنظيم فعالية محلية: اعقد محاضرة في مدرستك أو مكتبتك أو مركزك المجتمعي.
-
استخدام الموارد الإبداعية: نزّل أوراق المعلومات والرسوم البيانية وصفحات التلوين لتشاركها مع الأطفال.
-
المشاركة عبر الإنترنت: انشر صورًا أو رسومات أو حقائق على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام وسم #VultureDay.
-
دعم المنظمات المعنية بالحفاظ: قدّم تبرعاتك أو تطوّع مع المنظمات التي تعمل على الخطوط الأمامية.
-
اعتماد ممارسات صديقة للنسور: إذا كنت مزارعًا أو طبيبًا بيطريًا، روّج لممارسات آمنة تحمي النسور.
كل خطوة صغيرة تُسهم في حركة أكبر.
من “رموز شؤم” إلى “أبطال”
النسور ليست نُذُرًا بالموت، بل رسل توازن بيئي. فهي تذكّرنا بأن حتى أكثر الكائنات التي يُساء فهمها لها أدوار لا غنى عنها في استدامة الحياة. ومع احتفالنا بـ اليوم الدولي للتوعية بالنسور في 6 أيلول/سبتمبر 2025، فلنستبدل الخوف بالاحترام، واللامبالاة بالفعل.
إن بقاء النسور لا يقتصر على إنقاذ مجموعة من الطيور فحسب، بل يتعلّق أيضًا بحماية النظم البيئية، والصحة العامة، والتراث الثقافي. ومن خلال إدراك قيمتها الحقيقية، نؤكّد أيضًا على مسؤوليتنا كأوصياء على هذا الكوكب.
لذلك، في المرة القادمة التي ترى فيها نسرًا يحلّق في السماء، لا تفكّر في الموت، بل فكّر في التجدد، والقدرة على الصمود، والحراسة الصامتة التي تُبقي عالمنا حيًا.
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.