في قلب البقاع الغربي، حيث تنحدر سفوح جبل لبنان نحو بحيرة القرعون، خطت بلدة بعلول خطوة مفصلية بإعلان حمى بعلول، لتنضم رسميًا إلى شبكة الحمى في لبنان بوصفها الحمى رقم 44. هذه الخطوة تعكس وعيًا محليًا متقدمًا بأهمية حماية الموارد الطبيعية، وتؤكد أن المجتمعات المحلية لا تزال في طليعة الدفاع عن الطبيعة والمياه في وجه التدهور البيئي.
تشكل شبكة الحِمى المتنامية التي تقودها جمعية حماية الطبيعة في لبنان، والتي باتت تضم اليوم 44 موقعًا، شاهدًا حيًا على قوة التعاون بين البلديات، والقيادات المحلية، والشركاء الدوليين. كما تضع هذه التجربة لبنان في موقع ريادي إقليمي في مجال الحماية القائمة على المجتمع المحلي، بما ينسجم مع الأهداف العالمية للتنوع البيولوجي، ولا سيما إطار كونمينغ–مونتريال 30×30.
تقع بعلول ضمن الحوض الأعلى لـنهر الليطاني، أحد أهم الأنظمة المائية في البلاد وأكثرها تعرضًا للضغط والتلوث. وترتفع البلدة نحو 1128 مترًا عن سطح البحر، وتبعد سبعة كيلومترات عن جب جنين، وخمسة وثلاثين كيلومترًا عن زحلة، وتشرف بإطلالة خلابة على بحيرة القرعون، وعلى سفوح جبل الباروك، ما يجعلها نقطة وصل طبيعية بين الجبل والسهل والمياه.
بلدة صغيرة بهوية جامعة
يبلغ عدد سكان بعلول المقيمين نحو خمسمئة نسمة، مع انتشار واسع لأبنائها في الاغتراب، وهي بلدة زراعية بامتياز، تنتمي إلى قضاء البقاع الغربي في محافظة البقاع. وتتميّز بعلول بوجود عائلات مسيحية ومسلمة تعيش ضمن نسيج اجتماعي واحد، حيث تشكل الأرض والمياه عنصرًا جامعًا يتجاوز الانتماءات، ويؤسس لمسؤولية مشتركة تجاه حماية البيئة.

قرار بلدي برؤية استراتيجية
في السادس والعشرين من كانون الثاني 2026، أصدر مجلس بلدية بعلول القرار رقم 1، 2026، القاضي بإقامة حمى ضمن النطاق العقاري للبلدة على أملاك مشاع جمهوري، وذلك بالتعاون مع جمعية حماية الطبيعة في لبنان. وقد استند القرار إلى القوانين المرعية الإجراء، وإلى دراسات علمية تهدف إلى تنظيم الاستخدامات المستدامة للأراضي، وإعادة تكوين نظام بيئي متوازن ومتجدد.
ولا يقتصر مفهوم الحمى في بعلول على الحماية البيئية، بل يشمل إدراج مسار بيئي للإرث الثقافي والطبيعي، ودمج مفاهيم التكيّف مع تغيّر المناخ، والحفاظ على التنوع البيولوجي، ضمن خطة إدارة واضحة ومركزة تضمن الاستفادة الرشيدة من الموارد الطبيعية.

حماية المياه من المنبع
تكتسب حمى بعلول أهمية خاصة نظرًا لموقعها المحاذي لحوض الليطاني وبحيرة القرعون، اللذين عانيا لسنوات طويلة من التلوث والتعديات. ويشكل إعلان الحمى رادعًا بيئيًا فعليًا في وجه هذه المخاطر، ويساهم في حماية نوعية المياه والأنظمة البيئية المحيطة بها.
كما يعزز هذا القرار التعاون البنّاء مع مصلحة الليطاني، بما يخدم المصلحة العامة، ويؤكد أن حماية الموارد المائية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال شراكات متكاملة بين البلديات، والمؤسسات العامة، والمجتمع المدني.

نظام بيئي متكامل من الجبل إلى البحيرة
تتميز بعلول بطبيعتها الخضراء المتدرجة من السفوح الجبلية وصولًا إلى محيط البحيرة، ما يخلق نظامًا بيئيًا متكاملًا غنيًا بالنباتات والحياة البرية. هذا الامتداد الطبيعي يجعل من البلدة حلقة أساسية ضمن الممرات البيئية في محيط بحيرة القرعون، ويسهم في تعزيز قدرة الأنظمة الطبيعية على الصمود والتجدد.
رسالة التزام وأمل
بتوقيع رئيس البلدية الأستاذ إبراهيم درويش وأعضاء المجلس البلدي على قرار إعلان الحمى، رفعت بعلول شعارًا واضحًا، نحمي طبيعتنا ونحافظ على مواردنا من أجل مستقبل أفضل لأبنائنا. وهي رسالة تتجاوز حدود البلدة، لتؤكد أن حماية الطبيعة ليست ترفًا، بل خيارًا وطنيًا ومسؤولية أخلاقية.

إن حمى بعلول ليست مجرد مساحة محمية، بل نموذج حيّ للتنمية القائمة على احترام الطبيعة، وجزء من رؤية أشمل تقودها جمعية حماية الطبيعة في لبنان عبر مركز حماة الحمى الدولي، بهدف إشراك المجتمعات المحلية، وتعزيز ثقافة الاستدامة، وفتح آفاق جديدة لتنمية متوازنة وصديقة للبيئة.
بانضمامها إلى قافلة الحمى في لبنان، تثبت بعلول أن المجتمعات الصغيرة قادرة على إحداث أثر كبير، وأن حماية الطبيعة هي الطريق الأكثر أمانًا نحو مستقبل صحي، عادل، ومستدام للأجيال القادمة.







