من القمم إلى السواحل، حِمىً تلوَ الأخرى

بقلم أسعد سرحال
المؤسس ورئيس مجلس إدارة «حماة الحِمى الدولية» (HHI)،
المدير العام لجمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)،
عضو المجلس العالمي لمنظمة «بيردلايف إنترناشيونال» عن منطقة الشرق الأوسط

هناك لحظات تتجاوز فيها الرسائل الرسمية حدود البيروقراطية لتتحول إلى محطات مفصلية في المسار البيئي لوطنٍ ما. إن كتاب التأييد الصادر حديثًا عن وزارة البيئة اللبنانية لا يُعدّ مجرد رسالة رسمية، بل هو اعتراف برؤيةٍ تجذّرت طويلًا في المجتمع والعلم وروح الرعاية. ففي مراسلتها الرسمية، تؤكد معالي وزيرة البيئة تمارا الزين أن محمية وادي نهر بيروت المقترحة كمحمية محيط حيوي تمثل نظامًا هيدرولوجيًا متكاملًا يمتد من القمم إلى الساحل، غنيًا بالتنوع البيولوجي والترابط الإيكولوجي، ويتمتع بإمكانات قوية في مجالات التعليم والبحث والسياحة البيئية. وتعكس هذه الكلمات ليس فقط دعمًا مؤسسيًا، بل انسجامًا مع فلسفة عملنا التي نرعاها منذ عقود.

ويُعدّ التأييد الصادر عن اتحاد بلديات المتن الأعلى لمحمية وادي نهر بيروت المقترحة لحظةً مفصلية أخرى. فهو ليس مجرد وثيقة، بل إعلان مسؤولية مشتركة بين المجتمعات المحلية والبلديات والمؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين.

وقد وُجّه الكتاب إلى خالد العناني، المدير العام لليونسكو، ليؤكد رسميًا دعم تقديم جمعية حماية الطبيعة في لبنان ملف وادي نهر بيروت إلى برنامج الإنسان والمحيط الحيوي (MAB). وبهذا، يثبت أن السلطات المحلية تقف بثبات خلف رؤية ترتكز إلى العلم والمشاركة والاستدامة.

وادي يصل الجبال بالبحر

يعترف الكتاب بأن محمية المحيط الحيوي المقترحة تمتد على مساحة 22,135 هكتارًا، وتشمل 67 بلدة وقرية على امتداد الحوض المائي. كما يبرز نظام تقسيمٍ شامل للمناطق:

المناطق الأساسية: 4,591 هكتارًا، نظم بيئية محمية بحد أدنى من الوجود البشري

المناطق العازلة: 5,837 هكتارًا، تدعم الأنشطة الريفية والزراعية المستدامة

مناطق الانتقال: 11,707 هكتارات، حيث تزدهر المجتمعات والمناطق الإنتاجية

ويعكس هذا الهيكل فهمًا ناضجًا لمفهوم الحماية، يوازن بين صون الطبيعة والتنمية. فهو يقرّ بأن الإنسان ليس غريبًا عن الطبيعة، بل جزء من استمراريتها.

كما يشير كتاب التأييد إلى أن الكثافة السكانية تتركز أساسًا في مناطق الانتقال، فيما تصون المناطق الأساسية والعازلة بؤر التنوع البيولوجي. ويجسّد هذا التخطيط المتكامل فلسفة الحِمى التي تعتمدها جمعية حماية الطبيعة في لبنان منذ زمن، حيث تُبنى الحماية حول الإنسان لا في مواجهته.

نموذج للحَوكمة والاستدامة

يصف كتاب البلديات محمية وادي نهر بيروت للمحيط الحيوي بأنها:

«نموذج علمي وحَوْكَمي لإدارة متكاملة لأحواض المياه في سياق جبلي-حضري متوسطي.»

ويؤكد أن المحمية تجسّد:

نظامًا هيدرولوجيًا متكاملًا من القمم إلى الساحل

تنوعًا بيولوجيًا عاليًا وترابطًا إيكولوجيًا متينًا

سبل عيش مستدامة للمجتمعات المحلية

تكاملًا بين الزراعة والعمران

إمكانات قوية للتعليم والبحث والسياحة البيئية

وهذه العناصر ليست نظرية، بل هي ثمرة عقود من العمل الميداني، والحوار مع البلديات، والتعاون مع المزارعين والمجموعات الشبابية، والانخراط العلمي المستمر.

إنها تمثل ما يحدث عندما تلتقي السياسات البيئية بالواقع المعاش.

الاعتراف بدور الجمعية

يُعرّف الكتاب جمعية حماية الطبيعة في لبنان بوضوح على أنها:

منظمة بيئية رائدة في لبنان

الشريك الوطني لمنظمة «بيردلايف إنترناشيونال»

مروّجة للاستخدام المستدام للموارد الطبيعية من خلال نهج الحِمى القائم على المجتمع

ويحمل هذا الاعتراف معنى عميقًا، إذ يعكس ثقةً بُنيت على الاتساق والشفافية والنتائج. كما يؤكد أن نموذج الحِمى لم يعد يُنظر إليه كنهج بديل، بل كمرجعية وطنية في مجال الحماية المجتمعية.

قيادة بلدية في الرعاية البيئية

يحمل الكتاب توقيع وختم كريم سركيس، رئيس اتحاد بلديات المتن الأعلى، ما يمنحه ثقلًا مؤسسيًا كبيرًا. وهو يبرهن أن البلديات ليست أطرافًا سلبية في حماية البيئة، بل قادة وشركاء وأوصياء على أراضيهم.

وفي وقت يواجه فيه لبنان ضغوطًا اقتصادية واجتماعية وبيئية، يبعث هذا النوع من القيادة رسالة واضحة: حماية الطبيعة ليست ترفًا، بل ضرورة للصمود والاستقرار.

حِمىً تلو الأخرى

بالنسبة إلى جمعية حماية الطبيعة في لبنان، يؤكد هذا التأييد مسيرة بدأت في القرى والوديان قبل أن تصل إلى المنصات الدولية.

لقد كان نهجنا دائمًا بسيطًا وطموحًا في آنٍ معًا: نسج المشاهد الطبيعية اللبنانية المتناثرة معًا، حِمىً تلو الأخرى.

واليوم، تمتد 44 حِمى عبر مختلف المناطق اللبنانية، ممثلةً الأراضي الرطبة والغابات والأنهار والفسيفساء الزراعية والنظم البيئية الساحلية. وهي تتجاوز الحدود السياسية والطائفية، وتجمع المجتمعات حول إرث طبيعي مشترك.

من أمواج المتوسط إلى القمم المكللة بالثلوج،
من فقش الموج لمرمى الثلج،
تعكس شبكة الحِمى لبنان بكل تنوعه البيئي والثقافي.

من الجذور المحلية إلى الاعتراف العالمي

يأتي هذا التأييد البلدي مكمّلًا للاعتراف الوطني والدولي. ومع دعم الوزارات والشراكات مع اليونسكو، والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، ومنظمة بيردلايف، والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC)، وSRT، والوكالة الفرنسية للتنمية (AFD)، ومرفق البيئة العالمي (GEF)، وغيرهم، يتبيّن كيف يمكن للعمل المحلي أن يصنع مصداقية عالمية.

إنه يثبت أنه عندما تقود المجتمعات، وتدعم البلديات، وتتوافق الحكومات، وتواكب المؤسسات الدولية، تصبح الحماية مشروعًا وطنيًا جامعًا.

أكثر من رسالة

ليست هذه الوثيقة مجرد مرفق إداري ضمن ملف اليونسكو، بل هي:

تصويت ثقة في الحماية المجتمعية

جسر بين الحَوكمة المحلية والأطر العالمية

إشارة إلى المانحين والشركاء بالمصداقية والجدية

التزام تجاه الأجيال القادمة

إنها تحكي قصة انسجام بين الناس والمؤسسات، بين التقليد والعلم، بين الأمل والعمل.

مسؤولية مشتركة

تعرب جمعية حماية الطبيعة في لبنان عن عميق امتنانها لجميع البلديات والشركاء والمؤسسات الوطنية الذين يواصلون السير معنا في هذا الدرب. فثقتهم ومشاركتهم تحوّل الحماية من مبادرة لمنظمة غير حكومية إلى حركة وطنية.

حماية الحوض المائي تعني حماية سبل العيش.
صون التنوع البيولوجي يعني صون الهوية.
إحياء الحِمى يعني إحياء روح الرعاية.

من القمم إلى الساحل.
من القرية إلى الوطن.
من لبنان إلى العالم.

حِمىً تلو الأخرى.

مجلة الحمى العدد السادس

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) العدد السادس من مجلة "الحمى"، والذي يركّز على المؤتمر العالمي لحماية الطبيعة التابع للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) المزمع عقده في أبوظبي بين 8 و15 تشرين الأول 2025، حيث ستشارك الجمعية في أربع جلسات رئيسية. يتضمّن هذا العدد مقابلة حصرية مع رئيسة الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، رزان المبارك، التي شدّدت على أهمية مواءمة عمل الاتحاد مع الأجندات العالمية للتنوّع البيولوجي، وتعزيز الحوكمة والاستجابة لاحتياجات الأعضاء، وتفعيل الانخراط المتعدد الأطراف، وضمان الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا، ورفع أصوات المجتمعات المتنوعة في مسيرة حماية الطبيعة.

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

لقاءات مثمرة في باب مارع وحمى الفاكهة لتعزيز نهج...

عقدت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) سلسلة لقاءات مثمرة في منطقة البقاع، في إطار جهودها الرامية...

جمعية حماية الطبيعة في لبنان تطلق دورة تدريبية لإعداد...

أطلقت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) دورة تدريبية متخصصة لإعداد مرشدين محليين ضمن برنامجي «حماة الحِمى»...

حوار إقليمي في بيروت يعزّز تمويل التكيّف المناخي عبر...

في محطة مفصلية من جهود لبنان لتعزيز قدرته على التكيّف مع تغيّر المناخ، استضافت العاصمة بيروت حوارًا...