في ساعات الصباح الأولى، حين لا يزال الضباب يعلو المستنقعات والحقول، يكون شادي سعد قد بدأ يومه الميداني. بمنظاره ودفتر ملاحظاته، يتحرّك بهدوء بين القصب، وأطراف الأراضي الزراعية، وضفاف الأنهار، مسجّلاً حضور الطيور وسلوكها في مشاهد طبيعية تشكّل شريان الحياة للتنوّع البيولوجي في لبنان. يشغل شادي سعد منصب مدير مرصد الطيور التابع لجمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) في محمية حمّانا، ويُعدّ من أبرز المراقبين الميدانيين الذين يربطون الرصد العلمي بحماية الطبيعة.
قد تبدو قوائم الرصد مجرّد جداول تتضمّن أسماء أنواع وتواريخ وأماكن. لكن بالنسبة إلى شادي سعد، تتحوّل هذه القوائم إلى سجلّ حيّ لحركة الطيور، وإلى أداة أساسية لفهم ديناميات الطبيعة في سهل البقاع، إحدى أكثر المناطق تنوّعاً وحساسية بيئية في لبنان.
بين منتصف تشرين الثاني 2025 وبداية كانون الثاني 2026، نفّذ شادي سعد سلسلة مكثّفة من أعمال رصد الطيور، موثّقاً حضوره اليومي تقريباً في مواقع رئيسية تمتد من مستنقعات عمّيق إلى محيطها الزراعي والطبيعي، ومن ضفاف نهر الليطاني إلى الأراضي المفتوحة في تعنايل وتلّ الأخضر. هذه الجولات المتكرّرة شكّلت قاعدة بيانات متماسكة تعكس المشهد البيئي الشتوي في البقاع.
تركّز الجزء الأكبر من الرصد في حوش عمّيق والمناطق المحيطة به، حيث عاد شادي إلى الموقع مراراً، أحياناً في أيام متتالية. ففي 23 و24 و25 تشرين الثاني، سجّل قوائم رصد متتابعة تراوحت فيها أعداد الأنواع بين 21 و25 نوعاً، في مؤشر واضح على غنى الموقع وأهميته كمأوى للطيور المقيمة والمهاجرة معاً. هذه العودة المتكرّرة ليست تفصيلاً عابراً، بل منهجية علمية تسمح برصد التغيّرات الدقيقة في التنوّع والوفرة.
وفي 21 تشرين الثاني، شملت الرصد مواقع متعدّدة في اليوم نفسه، من تعنايل إلى مستنقعات عمّيق، حيث جرى توثيق 14 نوعاً في الموقع الأول و28 نوعاً في الموقع الثاني، ما يعكس تباين الموائل واختلاف أدوارها البيئية ضمن المساحة نفسها.
بلغت كثافة الرصد ذروتها في 4 كانون الثاني 2026، حين سجّل شادي أكثر من قائمة خلال ساعات قليلة. ففي مستنقعات عمّيق وحدها، جرى توثيق 9 أنواع، فيما أظهر المسح الممتد جنوب شرق حرش عمّيق باتجاه نهر الليطاني وجود 18 نوعاً، في تأكيد على أهمية الممرّات البيئية التي تربط المستنقعات بالأنظمة النهرية والزراعية المحيطة.
وخلال شهر كانون الأول، واصل شادي تغطية المواقع نفسها بأوقات مختلفة من اليوم. ففي 7 كانون الأول، أظهر رصد الصباح في حوش عمّيق تنوّعاً لافتاً بلغ 21 نوعاً، بينما سجّل رصد منتصف النهار في تعنايل 11 نوعاً فقط، في مثال واضح على تأثير توقيت الرصد على النتائج البيئية.
كما شملت الجولات مواقع أقل شهرة لكن لا تقل أهمية، مثل شبرقية عمّيق، ونبع العسل – بوارج – حبل الكنيسة، حيث أضيفت معطيات جديدة تُغني الصورة العامة للتنوّع الحيوي في البقاع. وحتى في ساعات المساء، لم يتوقّف الرصد، إذ وثّق شادي في 11 تشرين الثاني وجود نوعين ليليين في عنجر، مسلطاً الضوء على جانب غالباً ما يُهمل في برامج المراقبة.
كل قائمة رصد من هذه القوائم تحمل قيمة علمية مستقلة، لكن قوتها الحقيقية تظهر عند جمعها وتحليلها معاً. فهي توفّر أدلّة ميدانية تُستخدم في التخطيط البيئي، وإدارة الموائل، وتعزيز الترابط البيئي بين المواقع الطبيعية. ومن خلال هذا العمل التراكمي، تتحوّل الملاحظات الفردية إلى معرفة قابلة للاستخدام في جهود الحماية طويلة الأمد.
في ظل الضغوط المتزايدة على الأنظمة البيئية في لبنان، يقدّم عمل شادي سعد نموذجاً عن أهمية الالتزام والاستمرارية في الرصد. فمن خلال التواجد الدائم في الميدان، والعودة المتكرّرة إلى المواقع نفسها، يضمن أن تكون الطيور في البقاع مرئية، ومُسجّلة، ومحسوبة. وهكذا، تصبح قوائم الرصد أكثر من بيانات، وتتحوّل إلى شهادة حيّة على نبض الطبيعة، تُكتب قائمةً تلو الأخرى.






