غالبًا ما يُنظر إلى حماية البيئة بوصفها استجابة حديثة لأزمات معاصرة. غير أنّ منطقتنا تحمل في ذاكرتها نموذجًا أقدم بكثير لإدارة الموارد الطبيعية، نموذجًا متجذّرًا في التاريخ والحضارة، ويعود إلى أكثر من أربعة آلاف عام: نظام الحِمى.
تعود الجذور الرمزية للحِمى إلى نظام الكتابة السينائية البدائية (Proto-Sinaitic)، الذي تطوّر بين القرنين التاسع عشر والسادس عشر قبل الميلاد. ففي أصل الكلمة، يحمل الجذر H-M-Y دلالات عميقة:
يرمز الحرف H إلى السور أو الحدّ، ويشير M إلى الماء والحياة، بينما يدلّ Y على اليد أو السلطة. وتشكل هذه الحروف معًا مفهومًا متكاملًا يقوم على إقامة حدّ محميّ، تُفرض حمايته بالسلطة، لصون الموارد الحيوية، وفي مقدّمها الماء والأرض.
في هذه المرحلة المبكرة، لم يكن الحِمى مؤسسة رسمية، بل إطارًا ذهنيًا وأخلاقيًا مشتركًا، وفلسفة بيئية كامنة في اللغة والوعي الجمعي، تسبق القوانين والأنظمة المكتوبة. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا المفهوم إلى بنية مؤسساتية واضحة.
بحلول القرن الثامن قبل الميلاد، وتحديدًا في مملكة سبأ في اليمن القديم، أصبح الحِمى نظامًا رسميًا معترفًا به. وتُظهر النقوش السبئية استخدام مصطلحات تشير إلى مناطق محمية أو محرّمة، تخضع لإدارة جماعية وقواعد قانونية. وقد طوّر السبئيون نظمًا متقدمة لإدارة المياه والأراضي والموارد الطبيعية، ما يؤكد أنّ الحماية المنظمة للبيئة ليست اختراعًا حديثًا، بل ممارسة حضارية ضاربة في القدم.
وانتقل هذا الإرث لاحقًا إلى المملكة الحميرية، التي ورثت النظام الكتابي نفسه، والآليات الإدارية ذاتها، والمبدأ الجوهري لحماية الموارد. وشكّلت هذه المرحلة حلقة وصل أساسية نقلت تقاليد الحوكمة البيئية من جنوب الجزيرة العربية إلى العالم العربي قبل الإسلام.
ومع ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، شهد نظام الحِمى تحوّلًا نوعيًا جديدًا. إذ انتقل من ممارسة قبلية إلى نظام ذي طابع عام، تحكمه مبادئ المصلحة العامة والأخلاق. وقامت الفقه الإسلامي بتنظيم الحِمى وضبط قواعده، بحيث تُقام المناطق المحمية لخدمة المجتمع بأسره، لا لمصلحة فئة نافذة بعينها. وعلى مدى أكثر من 1400 عام، استمر هذا الإطار القانوني والأخلاقي في التطور والتكيّف مع السياقات المختلفة.
اليوم، يُعاد إحياء هذا الإرث العريق وتطويره لمواجهة التحديات البيئية في القرن الحادي والعشرين.
في لبنان، تقود جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) هذا المسار من خلال مقاربة الحِمى الذكي، التي تمزج بين المبادئ التقليدية لنظام الحِمى وأدوات العصر الحديث، مثل نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، والاستشعار عن بُعد، والرصد الرقمي. ويتيح هذا الدمج تمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها الطبيعية بفعالية، اعتمادًا على المعرفة والبيانات، دون الانفصال عن جذورها الثقافية والأخلاقية.
إن الحِمى الذكي ليس مجرد استعادة لتقليد قديم، بل نموذج متجدد لحوكمة بيئية عادلة، تشاركية، ومستدامة. وهو يثبت أن مواجهة تحديات تغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي لا تتطلب حلولًا مستوردة فقط، بل يمكن أن تنطلق من تراثنا ذاته.
الحِمى ليس مفهومًا من الماضي، بل سلسلة معرفية متصلة لم تنقطع. إنّه رحلة حضارية تؤكد أنّ حماية الطبيعة متجذّرة في تاريخ هذه المنطقة، وأنّ المستقبل الأكثر استدامة يبدأ بإعادة اكتشاف حكمة الماضي.
🌿 من الجذور القديمة إلى آفاق المستقبل، الحِمى مستمر.






