برنامج دروب الحمى يحيي المدرّجات الزراعية ويحويلها إلى مسارات حيّة تربط الذاكرة بالتنمية المستدامة
في بلدة الغابون، المتربّعة على سفوح قضاء عاليه، لا تروي الطبيعة وحدها حكايتها، بل تنطق الحجارة بتاريخ الإنسان الذي عاش هنا، وتعب، وبنى، وزرع، وصاغ علاقة متوازنة مع الأرض عبر أجيال متعاقبة.
تمتدّ المدرّجات الزراعية في الغابون كلوحة تراثية حيّة، شاهدة على عبقرية الأجداد الذين حوّلوا الانحدارات الصعبة إلى مساحات خضراء نابضة بالحياة. لم تكن هذه المدرّجات مجرد حقول للزراعة، بل شكّلت شبكة طرق يومية سلكها أبناء البلدة جيلاً بعد جيل، تربط البيوت بالحقول، والمواسم بالناس، والعمل بالحياة الاجتماعية.
بين جدار حجري وآخر، نشأت ممرّات ضيّقة حملت تفاصيل الحياة اليومية، صعدها المزارعون مع شروق الشمس حاملين أدواتهم، وعادوا عبرها مع الغروب محمّلين بخيرات الأرض. على هذه الدروب تردّدت الأغاني الشعبية، وكبرت الحكايات، وتشكّلت ذاكرة المكان، فكانت الطريق جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والروحي للبلدة.
لا تزال حجارة الغابون تحتفظ ببصمات الأقدام التي مرّت فوقها لعقود طويلة. هنا مشى الأجداد إلى كروم العنب وحقول الزيتون والتين، وهنا توجّهت النساء إلى مواسم القطاف، وهنا رافق الأطفال أهلهم ليتعلّموا معنى الأرض والانتماء. لم تكن الطريق مجرد ممر، بل مساحة تفاعل وتعلّم وحياة.
وفي هذا الإطار، نظّم برنامج دروب الحمى في جمعية حماية الطبيعة في لبنان هذا النشاط المتعلّق بتفعيل مسار المشي الريفي في الغابون، في إطار جهوده الرامية إلى إحياء الدروب التراثية وربطها بالسياحة الزراعية والريفية المستدامة. ويهدف البرنامج إلى إعادة الاعتبار لهذه المسارات كجزء من الهوية الثقافية والبيئية للقرى، وتحويلها إلى فضاءات حيّة للتعلّم، والتفاعل مع الطبيعة، ودعم المجتمعات المحلية.
اليوم، تستعيد هذه المدرّجات دورها من جديد عبر السياحة الزراعية، التي باتت جسراً يربط الماضي بالحاضر. تحوّلت الممرّات الحجرية إلى مسارات للمشي الريفي، تتيح للزائر اكتشاف جمال الغابون الطبيعي وتراثها الزراعي العريق، والتعرّف على أساليب الزراعة التقليدية، والمشاركة في مواسم القطاف، وتذوّق المنتجات البلدية الطازجة، ضمن تجربة ريفية أصيلة.
وترى جمعية حماية الطبيعة في لبنان أن هذا النوع من السياحة لا ينعش المكان فحسب، بل يساهم في دعم أبناء البلدة، ويشجّع على إعادة إحياء المدرّجات المهملة، ويحافظ على التنوّع البيولوجي الذي لطالما ميّز البيئة الزراعية في الغابون. كما يعيد الاعتبار لأسلوب حياة متوازن قائم على احترام الأرض والعمل معها، لا ضدها.
إن مدرّجات الغابون الزراعية ليست حجارة صامتة، بل طرق الأجداد التي ما زالت تقودنا إلى الجذور، وممرّات تختصر قصة صمود الإنسان الجبلي وإبداعه. ومع السياحة الزراعية، تتحوّل هذه الدروب من ذاكرة محفورة في الحجر إلى تجربة حيّة تُروى لكل من يسير عليها.








يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.