في محطة وطنية بارزة على مسار حماية الطبيعة، أعلن لبنان رسميًا عن إقامة حمى عيحا، لتصبح الحمى رقم 40 ضمن شبكة الحمى في البلاد. ويشكّل هذا الإنجاز خطوة متقدمة في ترسيخ نموذج الحماية القائمة على دور المجتمعات المحلية، حيث تتكامل الإدارة البلدية، والمعرفة العلمية، والمشاركة المجتمعية في صون الموارد الطبيعية والإرث الثقافي.
وقد جرى إعلان حمى عيحا بقرار رسمي صادر عن مجلس بلدية عيحا، وبالشراكة مع جمعية حماية الطبيعة في لبنان، في إطار رؤية وطنية تضع لبنان في موقع ريادي إقليميًا في مجال الحماية المجتمعية للطبيعة، وبما ينسجم مع الالتزامات العالمية للتنوع البيولوجي، ولا سيما إطار كونمينغ–مونتريال 30×30.
قرار بلدي يستند إلى القانون والمصلحة العامة

أُقرّت إقامة حمى عيحا بموجب القرار البلدي رقم 4/2025 الصادر بتاريخ 9 آب 2025، خلال جلسة قانونية مكتملة النصاب لمجلس بلدية عيحا. واستند القرار إلى القوانين اللبنانية المرعية الإجراء، وفي مقدّمها قانون البلديات وأصول المحاسبة العمومية في البلديات، إضافة إلى موازنة البلدية المصادق عليها للعام 2025.
وبموجب هذا القرار، وافق المجلس البلدي على إقامة حمى طبيعية على العقار رقم 2327 من منطقة عيحا العقارية، وهو من أملاك الدولة اللبنانية، بهدف الحفاظ على الإرث الطبيعي والبيئي، وتنظيم الاستخدامات المستدامة للأراضي، وضمان استمرارية النظم البيئية، وذلك استنادًا إلى دراسات علمية وبيئية متخصصة.
كما فُوِّض رئيس البلدية، الأستاذ وسام حكمت العريان، بتوقيع الاتفاقيات اللازمة مع جمعية حماية الطبيعة في لبنان، ومتابعة تنفيذ الحمى وفق الأصول القانونية والإدارية المعتمدة.
عيحا، موقع استراتيجي بين الجبل والسهل والحدود

تقع بلدة عيحا (عيحا، عيحا) في قضاء راشيا، جنوب محافظة البقاع، ضمن حوض جبلي داخلي قريب من جبل الشيخ والحدود اللبنانية–السورية. وترتفع البلدة نحو 1140 مترًا عن سطح البحر، وتتموضع في نقطة جغرافية حساسة تجعلها حلقة وصل طبيعية بين الأنظمة البيئية في جبل لبنان وسلسلة لبنان الشرقية.
وتبرز أهمية حمى عيحا من كونها تشكّل ممرًا بيئيًا طبيعيًا يربط بين محميات ومناطق ذات قيمة بيئية عالية، أبرزها محمية أرز الشوف من جهة، والمناطق الجبلية المحيطة بجبل الشيخ من جهة أخرى، ما يعزّز الترابط البيئي وانتقال الأنواع النباتية والحيوانية، ويقوّي قدرة الطبيعة على التكيّف والصمود.
نظام طبيعي فريد، السهل، البحيرة، والمياه الجوفية

تحتضن عيحا واحدًا من أكثر الأنظمة الطبيعية تميّزًا في لبنان، يتمثّل في سهل عيحا، وهو حوض دائري شبه مثالي يبلغ قطره نحو 3.2 كيلومترات، تحيط به الجبال من مختلف الجهات. وخلال مواسم الأمطار، يتحوّل هذا السهل إلى بحيرة عيحا الموسمية، نتيجة تراكم المياه وغياب أي منفذ سطحي واضح للتصريف.
وتخرج المياه من السهل وتعود إليه عبر شقوق ومغارات جوفية، أبرزها فجوة كبيرة في الجهة الشمالية الغربية وأخرى أصغر في الجهة الجنوبية الشرقية. وتشير الروايات المحلية والدراسات التاريخية إلى وجود مجرى مائي دائم تحت الأرض، يُعتقد أنه يتصل بـ نهر الحاصباني، أحد أهم روافد نهر الأردن.
هذا المشهد الطبيعي يذكّر برواية «قشّ فيالة» التي وثّقها المؤرخ فلافيوس يوسيفوس، والتي تحدّثت عن انتقال المياه عبر مسارات خفية تحت الأرض، وهي قصة لا تزال حاضرة في الذاكرة المحلية لمنطقة عيحا.
تنوع بيولوجي وزراعي ذو قيمة عالمية

تتميّز حمى عيحا باحتضانها أنواعًا نادرة من القمح البري، ولا سيما Triticum boeoticum وTriticum urartu، وهما من الأصول الوراثية الأساسية للقمح المزروع عالميًا. كما تشكّل المنطقة موئلًا مهمًا للرعي التقليدي، خاصة تربية الماعز، ضمن منظومة استخدامات تاريخية سيتم تنظيمها بشكل مستدام في إطار الحمى.
أما بحيرة عيحا الموسمية، فقد شكّلت تاريخيًا محطة مهمّة للطيور المهاجرة، حيث سُجّلت مشاهدات لطيور نادرة مثل البطّة بيضاء العين والشرشير الأوروبي، ما يؤكد أهمية الموقع ضمن مسارات الهجرة الإقليمية.
إرث ثقافي وحضاري ضارب في التاريخ

لا تنفصل القيمة البيئية لعيحا عن بعدها الثقافي والتاريخي. فقد وثّق باحثون في القرن التاسع عشر وجود معبد روماني ضخم أُنجز عام 92 ميلادية، وكان يطلّ على السهل من أعلى التلال المحيطة. ويُعد هذا المعبد من أبرز المعابد الرومانية المصنّفة ضمن معابد جبل الشيخ، رغم أن أجزاء كبيرة منه أُعيد استخدامها لاحقًا في الأبنية المحلية.
كما كشفت المنطقة عن أدوات صوانية من العصر الحجري الحديث، ما يدل على استيطان بشري قديم يعود إلى آلاف السنين، ويعزّز مكانة عيحا كمشهد طبيعي–ثقافي متكامل.
جزء من رؤية وطنية للحماية المجتمعية
بانضمام حمى عيحا، باتت شبكة الحمى التي تقودها جمعية حماية الطبيعة في لبنان تضم 40 موقعًا موزّعة على مختلف المناطق اللبنانية. وتمثّل هذه الشبكة نموذجًا حيًا للتعاون بين البلديات، والمجتمعات المحلية، والمؤسسات الوطنية، والشركاء الدوليين، في حماية الطبيعة وتعزيز التنمية المستدامة.
رسالة إلى المستقبل
إن حمى عيحا ليست مجرد مساحة محمية، بل مسارًا حيًا يربط بين الطبيعة والمياه والتاريخ والإنسان. وهي دليل على أن الحماية البيئية يمكن أن تنطلق من القرى والبلديات، وأن الإدارة المحلية الواعية قادرة على إحداث أثر وطني وإقليمي.
ومع احتفال لبنان بإطلاق حماه الأربعين، تؤكد عيحا أن نموذج الحمى لا يزال أحد أكثر الأدوات فاعلية لحماية التنوع البيولوجي، وصون الموارد المائية، وضمان أن تبقى الطبيعة إرثًا مشتركًا وآمنًا للأجيال القادمة.
- اضغط للطباعة (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- النقر لإرسال رابط عبر البريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- انقر للمشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- انقر للمشاركة على Bluesky (فتح في نافذة جديدة) Bluesky
- النقر للمشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- اضغط لتشارك على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- انقر للمشاركة على سلاسل (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- انقر للمشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- انقر للمشاركة على فيسبوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- اضغط لمشاركة الموضوع على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- اضغط للمشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- اضغط للمشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اضغط للمشاركة على Pocket (فتح في نافذة جديدة) Pocket
- النقر للمشاركة على Mastodon (فتح في نافذة جديدة) Mastodon
- النقر للمشاركة على Nextdoor (فتح في نافذة جديدة) Nextdoor







يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.