في محطة جديدة على مسار حماية الطبيعة والتراث في لبنان، أُعلن رسميًا عن إقامة حمى سرحمول، لتصبح البلدة الحمى رقم 42 ضمن شبكة الحِمى الوطنية. ويؤكد هذا الإعلان مجددًا أن نموذج الحِمى، القائم على إدارة المجتمع المحلي لموارده الطبيعية والثقافية، لا يزال يشكّل أحد أكثر الأدوات فعالية واستدامة في مواجهة التدهور البيئي وحماية الإرث التاريخي.
ومع انضمام سرحمول، باتت شبكة الحِمى التي تقودها جمعية حماية الطبيعة في لبنان تضم 42 موقعًا موزّعًا على مختلف المناطق اللبنانية، في دليل حيّ على قوة الشراكة بين البلديات، والقيادات المحلية، والمجتمع المدني، والشركاء الوطنيين والدوليين. كما يرسّخ هذا التوسّع موقع لبنان كدولة رائدة إقليميًا في الحماية المجتمعية للطبيعة، بما يتوافق مع الأهداف العالمية للتنوع البيولوجي، ولا سيما إطار كونمينغ–مونتريال 30×30.
قرار بلدي لحماية الطبيعة والذاكرة التاريخية
أُقرّت إقامة حمى سرحمول بموجب قرار مجلس بلدية سرحمول رقم (17)، الصادر عن المجلس البلدي المنتخب بتاريخ 14 أيار 2025، خلال جلسته المنعقدة بتاريخ 5 كانون الأول 2025، بحضور رئيس البلدية الأستاذ سامر ناظم نور الدين ونائب الرئيس الأستاذ جورية نبيه سعد.
وجاء القرار استنادًا إلى قانون البلديات (المرسوم رقم 118/1977 وتعديلاته)، والمرسوم رقم 295/1985، وبناءً على مقتضيات المصلحة العامة، وبعد مناقشة مشروع إقامة حِمى ضمن العقار رقم 77 من أملاك بلدية سرحمول، وذلك بالتعاون مع جمعية حماية الطبيعة في لبنان.
ويقضي القرار بالموافقة على إقامة مشروع الحِمى بهدف تنظيم الاستخدامات المستدامة للأراضي، وحماية الموارد الطبيعية، وضمان بيئة مستدامة، مع نشر القرار وإبلاغه حيث تدعو الحاجة.
سرحمول، موقع جغرافي استراتيجي قريب من بيروت
تقع بلدة سرحمول في قضاء عاليه، محافظة جبل لبنان، على ارتفاع يقارب 400 متر عن سطح البحر، وعلى بُعد نحو 13 كيلومترًا فقط من بيروت، ما يمنحها موقعًا استراتيجيًا يربط بين الساحل والجبل. وتبلغ مساحتها نحو 2.064 كيلومتر مربع، وتحدّها عيناب شرقًا، وعرمون جنوبًا وغربًا، والبساتين جنوب شرقًا، وبشامون شمالًا.
ويقطن البلدة عدد من العائلات العريقة، من بينها نور الدين، إسماعيل، نصر الدين، وأبو شكر، التي ارتبط تاريخها بالأرض وبالدور السياسي والثقافي الذي لعبته سرحمول عبر القرون.
قلعة التنوخيين، من الطبيعة إلى التاريخ
تُعد سرحمول من أقدم بلدات قضاء عاليه، وتحمل في طياتها إرثًا تاريخيًا استثنائيًا يعود إلى العصور الفينيقية والتنوخية. ويُرجَّح أن اسمها مشتق من «حصن مول» نسبة إلى ملك فينيقي، ثم تطوّر إلى «سرحمول»، وهو اسم مركّب من «سر» بمعنى الأمير و**«حمول» بمعنى الخازن أو الجامع للغلال**.
وتُعد تلة سرحمول (تلة الرويسة) من أبرز المعالم في البلدة، إذ تضم آثارًا فينيقية وتنوخية واضحة، من بينها نواويس حجرية، ومقابر محفورة في الصخور، وأجران صخرية، فضلًا عن بقايا قلعة تنوخية شكّلت أحد المراكز الدفاعية الأساسية في جبل الغرب.
وقد لعبت سرحمول دورًا محوريًا في تاريخ الإمارة التنوخية، لا سيما خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، حيث كانت حصنًا متقدمًا في مواجهة الحملات الصليبية، ومركزًا سياسيًا وعسكريًا ودينيًا. ومن هذه القلعة، دافع التنوخيون عن جبل الغرب، وحافظوا على استقلاليتهم النسبية، وأسّسوا نموذجًا فريدًا للحكم المحلي القائم على الارتباط بالأرض والهوية.
الحِمى، حماية للطبيعة والهوية معًا
إن إعلان حمى سرحمول لا يقتصر على حماية الموارد الطبيعية فحسب، بل يشكّل أيضًا أداة لحماية المشهد الثقافي والتاريخي المرتبط بالمكان. فالحمى هنا تحمي التلال، والغطاء النباتي، والمواقع الأثرية، وتعيد ربط المجتمع المحلي بإرثه الطبيعي والحضاري، ضمن إطار إدارة مستدامة تحترم الذاكرة الجماعية وتمنع التعديات.
وتندرج حمى سرحمول ضمن رؤية أشمل لجمعية حماية الطبيعة في لبنان، تهدف إلى دمج التنوع البيولوجي، والتراث الثقافي، والتنمية المحلية في نموذج واحد متكامل، تكون فيه البلديات شريكًا أساسيًا في التخطيط والتنفيذ.
رسالة من الجبل إلى المستقبل
بانضمام سرحمول إلى شبكة الحِمى الوطنية، يوجّه جبل لبنان رسالة واضحة مفادها أن حماية الطبيعة لا تنفصل عن حماية التاريخ والهوية، وأن القرى والبلدات قادرة، من خلال الإدارة المحلية الواعية، على لعب دور ريادي في بناء مستقبل أكثر توازنًا واستدامة.
إن حمى سرحمول ليست مجرد مساحة محمية، بل هي شهادة حيّة على تلاقي الطبيعة بالتاريخ، ونموذج يؤكد أن المجتمعات التي حافظت على أرضها عبر القرون، قادرة اليوم أيضًا على صونها للأجيال القادمة، في وجه التحديات البيئية المعاصرة.






