عقد مكتب اليونسكو الإقليمي في بيروت، بالشراكة مع الجمعية اللبنانية لحماية الطبيعة (SPNL)، اجتماعًا إقليميًا رفيع المستوى بهدف تعزيز رؤية مشتركة لحماية التنوع البيولوجي والتنمية المستدامة في منطقة المشرق.
وقد عُقد الاجتماع عبر الإنترنت في 2 نيسان/أبريل 2026، وجمع نخبة من المنظمات الدولية، والسلطات الوطنية، والخبراء الإقليميين، لبحث سبل دمج نهج الحِمى، وهو نظام للحفاظ على الطبيعة قائم على المجتمعات المحلية ومتجذر في التقاليد، ضمن الأطر العالمية المعترف بها، بما في ذلك محميات المحيط الحيوي التابعة لليونسكو، ومواقع التراث العالمي، والجيوبارك.
وبحسب ما ورد في جدول الأعمال الرسمي، هدف الاجتماع إلى إنشاء منصة تعاونية لتبادل الخبرات، والتصدي لفقدان التنوع البيولوجي، ورسم مسارات مستقبلية للحفاظ على البيئة في المنطقة.
وقد شكّل إسهام نزار حسن من خلال مبادرة “مسرّع المشرق 2026” إضافة محورية للنقاش، حيث قُدّمت المبادرة كمنصة محفّزة لتسريع التعاون الإقليمي في مجالي التنوع البيولوجي والتنمية المستدامة. وتسعى المبادرة إلى الانتقال من مرحلة الحوار إلى التنفيذ عبر دعم نماذج مبتكرة وقابلة للتوسّع تربط بين السياسات والتمويل والعمل المجتمعي. ومع التركيز على المرونة وتحقيق الأثر، يهدف المسرّع إلى ربط المبادرات المحلية، مثل الحِمى، بآليات التمويل الإقليمية والدولية، والخبرات التقنية، والأطر السياساتية، إلى جانب تعزيز التعاون العابر للحدود، وتبادل المعرفة، واحتضان مشاريع تجريبية قابلة للتكرار على مستوى المشرق. ومن خلال مواءمة الممارسات المجتمعية مع الاستثمار الاستراتيجي والتنسيق الإقليمي، تبرز المبادرة كمحرّك أساسي لتحويل الالتزامات إلى نتائج قابلة للقياس، وتعزيز قدرة المنطقة على الاستجابة الجماعية للتحديات البيئية.
من جهتها، شددت ميشيل الجلخ، المسؤولة الوطنية للبرامج في الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC)، على أهمية ربط نماذج الحفظ القائمة على المجتمعات المحلية، مثل الحِمى، ببرامج التنمية طويلة الأمد والأطر المدعومة من الجهات المانحة. وأكدت على التزام الوكالة المستمر بدعم الجمعية اللبنانية لحماية الطبيعة ومبادرة الحِمى على مدى العقدين الماضيين، لا سيما من خلال برنامج المياه، الذي أسهم في تعزيز صمود المجتمعات المحلية والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية. وفي تأكيدها على دور الحوكمة الشاملة، أشارت إلى أن نجاح جهود الحفظ يتطلب ترسيخ الملكية المجتمعية، مدعومة ببيئات سياساتية متماسكة واستثمارات مستدامة، كما لفتت إلى ضرورة تحقيق مواءمة أقوى بين الأولويات الوطنية وآليات التعاون الإقليمي وتدفقات التمويل الدولية، بما يضمن توسيع نطاق المقاربات المبتكرة مثل الحِمى وتكرارها بفعالية في مختلف أنحاء المشرق.
وشكّل إسهام الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) عنصرًا رئيسيًا في النقاش، حيث تم التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لدمج المواقع ذات التسميات الدولية ضمن أطر منسّقة للحفظ، لا سيما في سياق “المناطق متعددة التسميات الدولية” (MIDAs). وأوضح العرض أن هناك أكثر من 4,000 موقع مصنّف دوليًا حول العالم، تشمل محميات المحيط الحيوي، ومواقع التراث العالمي، ومواقع رامسار، والجيوبارك، من بينها نحو 395 موقعًا يحمل أكثر من تصنيف دولي واحد. ورغم ما تتيحه هذه الأطر من فرص لتعزيز التعاون والظهور الدولي وحشد الموارد، فإنها تطرح تحديات ملحوظة، مثل تشتّت هياكل الحوكمة، وتداخل الأنظمة القانونية والإدارية، والتنافس على التمويل والاعتراف، إضافة إلى الإرباك لدى المجتمعات المحلية. ومع ذلك، شدد المشاركون على الإمكانات الكبيرة لهذه الأنظمة في تعزيز التنسيق المؤسسي، وتحقيق إدارة متكاملة للمناظر الطبيعية والبحرية، ومواءمة جهود الحفظ مع الأبعاد الثقافية والتنموية. وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن نهج الحِمى يشكّل نموذجًا مجتمعيًا محوريًا قادرًا على لعب دور توحيدي ضمن هذه الأطر المعقدة.
كما أكدت أدريانا سي. موريرا، رئيسة قسم الشراكات في مرفق البيئة العالمية (GEF)، على الدور الحاسم للشراكات الاستراتيجية في تسريع وتيرة العمل البيئي على المستويين الإقليمي والعالمي. وأشارت إلى أن مرفق البيئة العالمية يعمل على تطوير نماذج تمويل مبتكرة تربط المبادرات المحلية بالأولويات العالمية، لا سيما في مجالات التنوع البيولوجي وتغير المناخ واستعادة النظم البيئية. ولفتت إلى أن المقاربات القائمة على المجتمعات المحلية، مثل نهج الحِمى، تمثل مسارات فعّالة لتحقيق أثر مستدام، خصوصًا عندما تُدمج ضمن أطر تمويل متعددة الشركاء وتُدعَم بتعاون وثيق بين الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني. كما شددت على أهمية توسيع الاستثمارات في الحلول القائمة على الطبيعة، وتعزيز وصول المبادرات المحلية إلى التمويل، بما يسهم في ترجمة الالتزامات العالمية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، ويعزز قدرة المنطقة على مواجهة التحديات البيئية المعقدة بشكل جماعي ومنسق.
من الحوكمة المحلية إلى الأطر العالمية
تمحورت النقاشات حول إدراك مشترك بأن الحفظ الفعّال يتطلب الربط بين المعارف المحلية والمعايير الدولية. وأكد أسعد سرحال، رئيس شراكة BirdLife في الشرق الأوسط والمدير العام للجمعية اللبنانية لحماية الطبيعة، أن نهج الحِمى يجسّد نموذج حوكمة قائم على الرعاية المجتمعية والتراث الثقافي والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، مشددًا على أن إحياء هذا التقليد وتكييفه يعزز في الوقت نفسه النتائج البيئية والتماسك الاجتماعي.
كما أبرز المشاركون أن الحِمى يقدم استجابة عملية وقابلة للتوسّع للتحديات البيئية المعاصرة، من خلال تمكين المجتمعات المحلية كحراس أساسيين للأنظمة البيئية، وتعزيز سبل العيش المستدامة، وتقوية التماسك الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الحِمى ليس فقط كأداة للحفظ، بل كإطار متكامل يجمع بين الأبعاد البيئية والاجتماعية.
وأشار مارتن هاربر، المدير التنفيذي لـBirdLife International، إلى أن نهج الحِمى يتماشى بشكل وثيق مع الاستراتيجيات العالمية للتنوع البيولوجي، ويسهم مباشرة في تحقيق الأهداف الدولية، بما في ذلك هدف 30×30، مؤكدًا أن النماذج المجتمعية ضرورية لتحويل الالتزامات العالمية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
دمج المواقع ذات التسميات الدولية، أولوية استراتيجية
أكدت النقاشات أهمية المناطق متعددة التسميات الدولية (MIDAs) والحاجة إلى أطر أكثر تنسيقًا. ورغم التحديات المرتبطة بتعدد الأنظمة، فقد تم الاعتراف بالمزايا الاستراتيجية لهذه المقاربات، بما في ذلك تعزيز التنسيق المؤسسي، وتحسين إدارة النظم البيئية، وزيادة فرص التمويل والظهور الدولي.
نحو مناظر طبيعية متكاملة للحفظ
شدد المشاركون على ضرورة الانتقال من مواقع حماية معزولة إلى مناظر طبيعية متكاملة تربط بين الحِمى والمحميات والجيوبارك والممرات البيئية، بما يعزز الاستمرارية البيئية والمرونة عبر الحدود. كما اعتُبر هذا التوجه ضروريًا لمواجهة التحديات العالمية المترابطة مثل تغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي.
وأكد تيم بادمان، مدير برنامج التراث العالمي في الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، أن الربط بين الطبيعة والثقافة ووضع الإنسان في صلب جهود الحفظ يشكّل شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستدامة على المدى الطويل.
زخم إقليمي متصاعد
أظهرت مداخلات الدول، بما في ذلك الأردن وسوريا وفلسطين، التزامًا متزايدًا بتوسيع جهود الحفظ رغم التحديات المؤسسية والسياسية، مع التأكيد على أهمية التعاون الإقليمي وتبادل الخبرات.
التحديات المشتركة
حدد المشاركون مجموعة من التحديات، من بينها محدودية الموارد، وضعف التنسيق السياساتي، والضغوط البيئية، وتأثير عدم الاستقرار الإقليمي، مع توافق واسع على ضرورة اعتماد استجابات إقليمية منسّقة.
النتائج والتوجهات الاستراتيجية
خلص الاجتماع إلى مجموعة من الأولويات، أبرزها:
- اعتماد نهج الحِمى كنموذج أساسي للحفظ الشامل
- تعزيز التكامل بين الأطر الدولية المختلفة
- دعم تطوير مواقع الحفظ القائمة والمقترحة
- توطيد الشراكات الإقليمية والدولية
- تعزيز المقاربات التي تضع المجتمعات في صلب جهود الحفظ
كما أكد المشاركون التزامهم بمواصلة التعاون والانخراط في المنصات الدولية المقبلة، بما في ذلك المبادرات المرتبطة بسمرقند.
نحو نموذج جديد للحفظ في المشرق
أبرز الاجتماع تحولًا نوعيًا في التفكير البيئي، يقوم على إدماج الإنسان والثقافة في صلب سياسات الحفظ. ومن خلال الجمع بين الأنظمة التقليدية مثل الحِمى والأطر الدولية الحديثة، يتم إرساء نموذج جديد للحفظ يتميز بكونه:
- شاملًا وقائمًا على المجتمعات
- مستندًا إلى المعرفة العلمية ومرتبطًا عالميًا
- مرنًا وقادرًا على التكيّف مع تعقيدات المنطقة
ويمثّل هذا المسار خطوة مهمة نحو بناء نظم بيئية أكثر صمودًا، ومجتمعات أكثر تمكينًا، ومستقبل مستدام في المشرق وما بعده.






