في كوخٍ ميداني متواضع يطلّ على تلال جبل لبنان، وسط دفاتر الرسم، والكاميرات، وعينات النباتات، والمراجع العلمية، يتواصل العمل بصمتٍ ودأب على توثيق الحياة البرية في لبنان. هنا يعمل حسين علي زركوط، عالِم أحياء ميداني، وطبيعي، وباحث، ورسّام علمي في جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)، على مشروعٍ طموح يربط العلم بالفن، والميدان بالمعرفة، والحماية بالتوثيق.
خلال الفترة الممتدة بين 24 تشرين الثاني و25 كانون الأول 2025، بلغ هذا العمل محطة مفصلية، حيث تلاقت سنوات من البحث الميداني والرصد البيئي والإنتاج الفني في إنجازات ملموسة تشكّل جزءاً من أحد أكثر مشاريع توثيق التنوع البيولوجي طموحاً في لبنان.
أبرز إنجازات هذه المرحلة كان الاقتراب من إنجاز الطباعة النهائية لـ الدليل المصوّر لحيوانات لبنان، وهو عمل يوثّق 170 نوعاً من الثدييات والزواحف والبرمائيات. لا يقتصر هذا الدليل على كونه قائمة تصنيفية، بل هو حصيلة عملية دقيقة تشمل البحث العلمي، والملاحظة الميدانية، والتصوير الفوتوغرافي، والرسم العلمي الأصلي. وقد جرى تحديث النصوص وفق أحدث المعطيات البيئية، والتدقيق في مصادر الصور ونسبها، وتنقيح الرسومات لضمان الدقة التشريحية وسهولة الاستخدام التربوي.
يندرج هذا الإصدار ضمن رؤية طويلة الأمد تمتد لعشرين عاماً تقودها جمعية حماية الطبيعة في لبنان، وتهدف إلى توثيق التنوع البيولوجي في لبنان والمنطقة، عبر مشروع علمي وفني متكامل. حتى اليوم، تم إنجاز رسومات علمية لأكثر من 2900 نوع من النباتات والحيوانات، ضمن خطة لإصدار 24 مجلداً مصوراً. وقد صدر بالفعل أربعة مجلدات، فيما يجري العمل حالياً على مجلدات جديدة تتناول الحيوانات والنباتات الساحلية.
وشهدت هذه الفترة أيضاً انتقالاً لوجستياً مهماً، مع التحضير للانتقال إلى موقع جديد في الشملان، حيث جُهّز كوخ ميداني ليكون قاعدة للبحث والرصد والرسم. وبالقرب من هذا الموقع، تم إعداد حديقة للفراشات ومساحات نباتية، ما يحوّل المكان إلى مختبر حيّ للرصد والتعلّم. ويتكامل هذا العمل مع إدارة حدائق الحِمى في جبل لبنان، إلى جانب الاستمرار في إدارة حديقة الفراشات في البقاع الغربي حتى نهاية عام 2025.
إلى جانب أعمال التوثيق الفني، شكّل الرصد البيئي لوادي بيروت محوراً أساسياً خلال هذه الفترة. وقد جرى توسيع مواقع الرصد تمهيداً لبرنامج المراقبة البيئية لعام 2026، بما يوفّر قاعدة بيانات علمية تدعم مشروع المنتزه الطبيعي لوادي بيروت، وتُسهم في التخطيط البيئي وحماية الموائل الطبيعية على المدى الطويل.
بالتوازي، أُحرز تقدّم ملحوظ في إعداد أول مجلد مصوّر للنباتات اللبنانية، مع تركيز خاص على النباتات الساحلية والمائية، بما يشمل نباتات الشاطئ، والطحالب، والأعشاب البحرية. ويُعد هذا العمل خطوة تأسيسية لسلسلة أوسع من المجلدات النباتية، من بينها كتاب مخصص لنباتات وادي بيروت.
تميّز العمل الميداني خلال هذه المرحلة بكثافة كبيرة، شملت مسارات مشي طويلة، وتنقّلات في تضاريس صعبة، وساعات عمل ممتدة في الحقول، تلتها ليالٍ طويلة من الكتابة والرسم وتنظيم البيانات باستخدام أدوات رقمية وتقليدية، في تجسيد حيّ لطبيعة العمل البيئي المعاصر الذي يجمع بين الجهد الجسدي والدقة العلمية والإبداع الفني.
ولا يقتصر أثر هذا المشروع على النشر العلمي، بل يمتد إلى البعد التربوي والتوعوي، حيث تُنتج عنه ملصقات ومطبوعات تعليمية ومنتجات بيئية ضمن مبادرة سوق الحِمى، التي تربط حماية الطبيعة بالثقافة المحلية والاقتصاد المجتمعي.
ومع مطلع عام 2026، تتجه الأنظار إلى استكمال طباعة دليل الحيوانات، والانتهاء من الانتقال إلى موقع الشملان، وتوسيع إدارة حدائق الحِمى، وتعزيز برامج الرصد البيئي والتوثيق النباتي. وفي ظل التحديات البيئية المتزايدة التي يواجهها لبنان، يقدّم هذا العمل نموذجاً عن دور جمعية حماية الطبيعة في لبنان في صون الإرث الطبيعي للبلاد، ليس فقط عبر الحماية الميدانية، بل أيضاً من خلال المعرفة، والتوثيق، والذاكرة الجماعية، نوعاً بعد نوع.






