حِمى حردين… عندما يلتقي الإيمان بالطبيعة 

على ارتفاع يلامس السماء في أعالي جرود البترون، تقف حردين كأنها كتاب مفتوح يروي آلاف السنين من التاريخ. هنا، لا تنفصل الطبيعة عن الإيمان، ولا تبدو الصخور مجرد تكوينات جيولوجية، بل صفحات محفورة بأقدام الإنسان الأول، وبصلوات الرهبان، وبخطى القديسين الذين جعلوا من هذه البلدة الصغيرة إحدى أبرز المحطات الروحية في لبنان.

وعندما أعلنت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) بالتعاون مع بلدية حردين – بيت كساب والمجتمع المحلي عن إنشاء حِمى حردين، لم يكن الحدث مجرد إعلان عن منطقة جديدة ضمن شبكة الحِمى في لبنان، بل كان إعلانًا عن رؤية مختلفة للحفاظ على الطبيعة؛ رؤية ترى أن الغابة ليست منفصلة عن الدير، وأن حماية التنوع البيولوجي لا تنفصل عن صون الذاكرة الجماعية، وأن التنمية تبدأ عندما يدرك المجتمع أن أرضه ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هوية ورسالة ومستقبل.

أكثر من بلدة… طبقات من التاريخ

يصعب اختزال حردين بكونها مسقط رأس القديس نعمة الله الحرديني، رغم أن اسمه جعلها معروفة في مختلف أنحاء العالم المسيحي. فحردين أقدم من ذلك بكثير، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن اسمها ورد في نصوص قديمة تعود إلى العصور الحثية، فيما يرى باحثون أن التسمية ارتبطت عبر القرون بمعاني الورع والإيمان والقضاء بين الناس، حتى أصبحت تُعرف بـ “صخرة الإيمان” و”بلدة الثلاثين كنيسة وديراً”.

هذه البلدة لم تكن مجرد تجمع سكني جبلي، بل كانت مركزًا حضاريًا ودينيًا تعاقبت عليه الحضارات، وتركت كل منها بصمتها على الجبال والوديان والصخور التي ما زالت شاهدة حتى اليوم.

حين اختار الرومان قمة الجبل

قبل نحو ألفي عام، أدرك الرومان الأهمية الاستراتيجية لقمة حردين، فاختاروا أعلى مرتفعاتها لبناء حصن عسكري ومعبد ضخم للإله مرقوريوس. ويصف المؤرخون هذا المعبد بأنه كان من أبرز المعابد الرومانية في المنطقة، إذ تميز بأعمدته الأيونية الشاهقة وموقعه الذي يشرف على جبال لبنان الشمالية وساحله، من الأرز وجبة بشري إلى البترون والكورة وطرابلس.

لكن الطبيعة التي منحت المكان عظمته كانت أيضًا سببًا في تغيير مساره؛ فقد أدت الزلازل التي ضربت المنطقة في القرن السادس إلى انهيار المعبد، قبل أن يعيد الرهبان توظيف الموقع نفسه لبناء دير مار ريشا، في مشهد يلخص التحول التاريخي من المعابد الوثنية إلى الأديرة المسيحية.

آثار الإنسان الأول ما زالت حاضرة

إذا كان تاريخ حردين الديني يبدأ مع المسيحية، فإن تاريخ الإنسان فيها أقدم بكثير.

في وادي كفرشير، الممتد فوق كفرحلدا وبيت شلالا، اكتشفت مغاور وكهوف احتضنت الإنسان الأول منذ عصور ما قبل التاريخ، فيما تنتشر في محيط البلدة النواويس الفينيقية والمذابح الصخرية والمنشآت المحفورة في الجبال، بما فيها خزانات المياه، والقنوات، والسلالم، والمقاعد الصخرية التي تكشف مستوى متقدماً من التنظيم البشري في تلك الأزمنة.

هذه المعالم لا تشكل مجرد مواقع أثرية، بل ترسم تسلسلاً حضارياً نادراً يمتد من الإنسان الأول، مروراً بالفينيقيين والرومان، وصولاً إلى العصر المسيحي.

ثلاثون كنيسة… وقرية صنعت القداسة

قلّما توجد بلدة لبنانية بهذا الحجم تحتضن هذا العدد من الكنائس والأديرة والمحابس.

ففي حردين تتوزع كنائس مار جرجس، ومار شليطا، ومار نهرا، ومار تادروس، ومار سركيس وباخوس، إلى جانب دير مار توما، وغيرها من المواقع التي تعود إلى مراحل تاريخية متعاقبة، وتحفظ في جدرانها رموز المسيحية الأولى، والنقوش القديمة، والمخطوطات النادرة التي وثقت الحياة الدينية في جبل لبنان عبر قرون طويلة.

ومن بين هذه الكنائس تبرز كنيسة مار سركيس وباخوس، حيث اعتمد الطفل يوسف كساب، الذي سيعرف لاحقاً باسم القديس نعمة الله الحرديني، أحد أبرز قديسي الكنيسة المارونية.

ولا تقتصر قداسة المكان على الكنائس، بل تمتد إلى المحابس الصخرية المنتشرة على السفوح، حيث عاش النساك والرهبان في عزلة وتأمل، ومن بينهم الحبيسة سارة الحردينية التي يعدها المؤرخون أول حبيسة معروفة في لبنان، فيما أقام عدد من بطاركة الموارنة في دير مار سركيس الذي اكتسب لقب دير الرئاسة.

شهادة إنسانية أعادت تعريف المكان

خلال الإعلان الرسمي عن حِمى حردين، لم تكن الكلمات الرسمية وحدها هي التي لامست مشاعر الحاضرين.

ففي لحظة مؤثرة، وقف السيد بيار معوض ليروي قصة والده، البالغ من العمر سبعة وتسعين عاماً، والذي كان يعتمد على جهاز مساعد للمشي بسبب تقدمه في السن.

ويقول معوض إن والده أصر على زيارة مزار القديس نعمة الله الحرديني، وبعد انتهاء الزيارة، تمكن من السير من دون استخدام الجهاز المساعد، معتبراً ما جرى نعمة وبركة بشفاعة القديس.

وبغض النظر عن تفسير هذه التجربة، فقد عكست المكانة الروحية التي تحتلها حردين في وجدان زوارها، ورسخت فكرة أن هذه البلدة ليست مجرد مقصد ديني، بل مساحة يلتقي فيها الإنسان بالطبيعة والإيمان والتاريخ في آن واحد.

من القداسة إلى الحِمى

هذا الإرث التاريخي والروحي كان أحد الأسباب التي دفعت جمعية حماية الطبيعة في لبنان إلى تبني فكرة إنشاء حِمى حردين.

فبالنسبة للجمعية، لا يمكن فصل حماية الغابات عن حماية الكنائس، ولا صون التنوع البيولوجي عن الحفاظ على الهوية الثقافية للمكان. ومن هنا، جاء مفهوم الحِمى باعتباره نموذجاً للإدارة المجتمعية يربط الإنسان بأرضه، ويجعل من السكان المحليين الشريك الأول في حماية الموارد الطبيعية، وفي الوقت نفسه الاستفادة منها بصورة مستدامة.

وقد وصف المدير العام للجمعية، أسعد سرحال، حردين بأنها “حِمى مباركة”، لأنها تمثل حالة فريدة يجتمع فيها الإرث البيئي مع الإرث الروحي، مؤكداً أن هذا المشروع يشكل خطوة جديدة نحو بناء شبكة وطنية مترابطة من الحِمى تربط المواقع الطبيعية والدينية والثقافية ضمن رؤية واحدة للحفاظ على الطبيعة في لبنان.

عندما تتحول الطبيعة إلى رافعة للتنمية

إذا كان تاريخ حردين يمتد آلاف السنين، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن تحويل هذا الإرث الطبيعي والروحي إلى قوة دافعة للتنمية، من دون المساس به؟

هذا السؤال لا يشغل الباحثين في التراث أو المهتمين بالبيئة فحسب، بل أصبح في صلب رؤية بلدية حردين – بيت كساب وجمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)، اللتين تعملان على بناء نموذج تنموي يربط بين الحفاظ على الطبيعة وتحسين حياة السكان.

الحِمى… أكثر من محمية طبيعية

قد يظن البعض أن إعلان الحِمى يعني ببساطة منع البناء أو فرض قيود على استخدام الأراضي، لكن مفهوم الحِمى الذي أعادت جمعية حماية الطبيعة في لبنان إحياءه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك.

فالحِمى ليست محمية مغلقة، بل نظام مجتمعي لإدارة الموارد الطبيعية، يقوم على إشراك السكان المحليين في اتخاذ القرار، وتحويل الطبيعة من عبء إلى فرصة تنموية، ومن مساحة تحتاج إلى الحماية فقط، إلى مصدر للمعرفة، والسياحة، وفرص العمل.

وفي حالة حردين، يكتسب هذا المفهوم بعداً إضافياً، لأن الموارد التي يسعى إلى حمايتها لا تقتصر على الغابات والتنوع البيولوجي، بل تشمل أيضاً الكنائس التاريخية، والمحابس الصخرية، والمواقع الأثرية، والدروب القديمة التي تشكل جزءاً من ذاكرة المكان.

لماذا اختارت جمعية حماية الطبيعة في لبنان حردين؟

لم يكن اختيار حردين لإعلان حِمى جديدة قراراً عشوائياً.

فالبلدة تمتلك منظومة متكاملة يصعب العثور عليها في مكان آخر؛ غابات طبيعية، تنوعاً نباتياً وحيوانياً، مواقع أثرية تعود إلى الحضارات الفينيقية والرومانية، أديرة وكنائس تاريخية، إضافة إلى مكانتها الروحية باعتبارها مسقط رأس القديس نعمة الله الحرديني.

هذه العناصر مجتمعة تجعل حردين نموذجاً مثالياً للرؤية التي تتبناها جمعية حماية الطبيعة في لبنان، والتي تقوم على حماية المناظر الطبيعية الثقافية، أي تلك التي يصعب فيها الفصل بين البيئة والتراث والهوية المحلية.

ويقول المدير العام للجمعية أسعد سرحال إن حردين تمثل نموذجاً فريداً، لأنها تثبت أن المواقع المقدسة يمكن أن تكون أيضاً مواقع رائدة لحماية التنوع البيولوجي.

ويضيف أن إعلان الحِمى لا يقتصر على حماية موقع واحد، بل يشكل خطوة ضمن رؤية وطنية تهدف إلى ربط مواقع الحِمى بعضها ببعض عبر ممرات بيئية متصلة، تسمح بحركة الحياة البرية، وتحافظ على الأنظمة البيئية، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام مسارات جديدة للسياحة البيئية والثقافية.

حردين والديمان… ممر بيئي وروحي

من أبرز عناصر هذه الرؤية التكامل بين حِمى حردين وحِمى حديقة البطاركة في الديمان.

فالمنطقتان لا ترتبطان فقط بالجغرافيا، بل أيضاً بتاريخ طويل من الحياة الرهبانية والتراث الكنسي، الأمر الذي يسمح بإنشاء شبكة من المسارات البيئية والدينية التي تربط بين الأديرة والغابات والوديان، وتوفر للزوار تجربة متكاملة تجمع بين المشي، والتأمل، واكتشاف الطبيعة.

ويرى خبراء السياحة البيئية أن مثل هذه المسارات أصبحت من أكثر المنتجات السياحية نمواً في العالم، لأنها تمنح الزائر تجربة أصيلة تقوم على التفاعل مع المجتمع المحلي والطبيعة، بعيداً عن السياحة التقليدية.

رؤية بلدية… تتجاوز الخدمات اليومية

في بلدة لا يتجاوز عدد سكانها المقيمين بضع مئات، فيما ينتشر عشرات الآلاف من أبنائها في بلاد الاغتراب، تبدو التنمية تحدياً مضاعفاً.

رئيس البلدية جوزيف عساف لا ينظر إلى الحِمى باعتبارها مشروعاً بيئياً منفصلاً، بل يضعها في قلب رؤية تنموية شاملة تهدف إلى إعادة إحياء البلدة اقتصادياً واجتماعياً.

ويؤكد أن المجلس البلدي يعمل على تحسين البنية التحتية، وتطوير الطرقات، وتعزيز شبكات المياه، والحفاظ على الطابع التراثي، بالتوازي مع إعداد مشاريع قابلة للتمويل بالتعاون مع الوزارات والمؤسسات الرسمية والجهات الدولية.

ويشدد على أن نجاح أي مشروع لا يقاس بحجمه، بل بقدرته على تحسين حياة الناس وخلق فرص مستدامة لأبناء البلدة.

السياحة… استثمار في الهوية

تؤمن بلدية حردين بأن السياحة ليست نشاطاً موسمياً، بل قطاعاً اقتصادياً قادراً على تحريك عجلة التنمية.

ومن هذا المنطلق، تعمل البلدية على حماية المواقع الدينية والأثرية، وتحسين المشهد العام، وتطوير البنية التحتية السياحية، وتنظيم النشاطات الثقافية والدينية، بالتعاون مع الكنيسة والجمعيات الأهلية ووزارة السياحة.

ولا تقتصر الفوائد المتوقعة على زيادة عدد الزوار، بل تمتد إلى دعم بيوت الضيافة، والمطاعم، والحرف التقليدية، والمنتجات المحلية، بما يخلق فرص عمل جديدة ويحد من هجرة الشباب.

الطاقة النظيفة… امتداد لفلسفة الحِمى

ولا تقف رؤية البلدية عند حدود السياحة.

ففي إطار التوجه نحو التنمية المستدامة، تعمل البلدية على مشروع للطاقة الشمسية يهدف إلى تأمين الكهرباء للمرافق العامة، وخفض النفقات التشغيلية، والحد من الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

ويعكس هذا المشروع انسجاماً واضحاً مع فلسفة الحِمى، التي تقوم على الاستخدام الرشيد للموارد، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على إدارة مستقبلها البيئي والاقتصادي.

المغتربون… ثروة تنتظر الاستثمار

تاريخ حردين هو أيضاً تاريخ هجرة.

فعلى مدى أكثر من قرن، انتشر أبناء البلدة في الأميركيتين وأستراليا وأوروبا، حتى بات عدد المغتربين يفوق بأضعاف عدد المقيمين.

وتسعى البلدية اليوم إلى تحويل هذا الانتشار إلى قوة داعمة للتنمية، من خلال إشراك أبناء البلدة في المشاريع الاستثمارية والبيئية والثقافية، وتشجيعهم على المساهمة في الحفاظ على إرثهم الطبيعي والروحي.

مستقبل يبدأ من المجتمع

تجربة حِمى حردين تؤكد أن التنمية لا تبدأ بالمشاريع الكبرى وحدها، بل تبدأ عندما يشعر الناس بأنهم شركاء في إدارة أرضهم.

وهذا هو جوهر نموذج الحِمى الذي تعمل جمعية حماية الطبيعة في لبنان على ترسيخه في مختلف المناطق اللبنانية؛ نموذج يضع المجتمع المحلي في قلب عملية الحماية، ويمنح الطبيعة قيمة اقتصادية وثقافية واجتماعية، من دون أن يفقدها أصالتها.

في حردين، لم تعد الغابات مجرد غابات، ولم تعد الكنائس مجرد معالم أثرية، ولم تعد الدروب مجرد مسالك جبلية.

لقد أصبحت جميعها عناصر في رؤية واحدة، ترى أن حماية الطبيعة، وصون التراث، وتعزيز الاقتصاد المحلي، ليست أهدافاً متنافسة، بل أركان مشروع واحد يصنع مستقبلاً أكثر استدامة.

الدروب التي تربط الجبال بالذاكرة… ومستقبل الحِمى في لبنان

في حردين، لا يبدأ المشي من بداية درب، بل من بداية حكاية.

كل منعطف يقود إلى أثر، وكل وادٍ يخفي قصة، وكل صخرة تحمل بصمة حضارة أو صلاة ناسك أو أثر إنسان عبر المكان منذ آلاف السنين. ولهذا، لا تبدو حردين مجرد وجهة لهواة المشي، بل متحفاً طبيعياً مفتوحاً، تتداخل فيه الجغرافيا مع التاريخ، والبيئة مع الهوية، في مشهد قلّما يتكرر في لبنان.

ومن هذا المشهد تحديداً، انطلقت رؤية جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) عند إعلان حِمى حردين؛ رؤية ترى أن حماية الطبيعة لا تتحقق بإغلاق المواقع أمام الناس، بل بإعادة اكتشافها، وفهم قيمتها، وإشراك المجتمع في صونها.

دروب تحمل ذاكرة المكان

قد تبدو الدروب الجبلية في ظاهرها مجرد مسالك للمشي، لكنها في الحقيقة كانت على مدى قرون شرايين حياة تربط القرى ببعضها، وتقود الرهبان إلى المحابس، والمزارعين إلى الحقول، والمسافرين إلى الساحل.

واليوم، تعود هذه الدروب لتؤدي دوراً جديداً من خلال شبكة دروب الحِمى، التي تعمل جمعية حماية الطبيعة في لبنان على تطويرها في مختلف المناطق اللبنانية، لتصبح منصات للتعليم البيئي، والسياحة المستدامة، والتعريف بالتراث الطبيعي والثقافي.

وفي حردين، تكتسب هذه الدروب قيمة استثنائية لأنها تمر بين مواقع يصعب الفصل فيها بين التاريخ والطبيعة؛ فمن جهة تمتد الغابات المتوسطية، ومن جهة أخرى تظهر الأديرة والمحابس الصخرية والكنائس الأثرية التي بقيت شاهدة على قرون طويلة من الحياة الرهبانية.

تنوع بيولوجي يحتاج إلى من يحكي قصته

حين يتحدث المختصون عن التنوع البيولوجي، غالباً ما تُذكر الأرقام والأنواع.

أما في حردين، فإن التنوع البيولوجي يُقرأ بطريقة مختلفة.

إنه يُرى في الغابات التي ما زالت تحتفظ بأشجار السنديان والصنوبر، وفي النباتات البرية التي تغطي السفوح مع تغير الفصول، وفي الطيور التي تعبر المنطقة خلال مواسم الهجرة، مستفيدة من موقعها ضمن المسار الشرقي لهجرة الطيور بين أوروبا وإفريقيا.

وتشكل هذه الموائل الطبيعية جزءاً من شبكة بيئية واسعة تمتد عبر جبال شمال لبنان، الأمر الذي يمنح حِمى حردين أهمية تتجاوز حدودها الإدارية، ويجعلها حلقة أساسية في الحفاظ على استمرارية النظم البيئية في المنطقة.

ولهذا، لا يقتصر مشروع الحِمى على حماية الأشجار أو منع التعديات، بل يشمل مراقبة التنوع البيولوجي، وإشراك المجتمع المحلي في الحفاظ عليه، وتوعية الزوار بأهمية الأنواع النباتية والحيوانية التي تعيش في هذه البيئة.

السياحة البيئية… تجربة لا زيارة

في العقود الماضية، ارتبطت السياحة غالباً بالفنادق والشواطئ والمطاعم.

أما اليوم، فقد بات العالم يتجه نحو نموذج مختلف، يبحث فيه الزائر عن التجربة أكثر من المكان.

وحردين تمتلك كل عناصر هذه التجربة.

فالزائر يستطيع أن يبدأ نهاره بالمشي بين الغابات، ثم ينتقل إلى المعبد الروماني الذي ما تزال آثاره شاهدة على حضارة امتدت قروناً، قبل أن يصل إلى الكنائس والمحابس الصخرية، ويختتم رحلته في منزل القديس نعمة الله الحرديني أو في أحد الأديرة التي ما زالت تحتفظ بروحها القديمة.

إنها رحلة لا تجمع بين الطبيعة والتراث فحسب، بل تمنح الزائر فرصة لفهم العلاقة التي نسجها الإنسان مع هذا المكان عبر آلاف السنين.

ولهذا، ترى جمعية حماية الطبيعة في لبنان أن السياحة البيئية ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل وسيلة لتعزيز احترام الطبيعة، وتشجيع المجتمعات المحلية على حماية مواردها، وتحويل الإرث الطبيعي والثقافي إلى عنصر إنتاج بدلاً من أن يبقى عرضة للإهمال.

عندما تصبح الطبيعة اقتصاداً

واحدة من أهم الرسائل التي يحملها مشروع حِمى حردين أن الحفاظ على الطبيعة لا يتعارض مع التنمية، بل يمكن أن يكون محركاً لها.

فكل زائر يسلك دروب حردين يخلق حركة اقتصادية يستفيد منها أبناء البلدة، سواء من خلال بيوت الضيافة، أو المطاعم، أو المنتجات المحلية، أو الصناعات الحرفية، أو خدمات الإرشاد البيئي.

وهذا النموذج أثبت نجاحه في عدد من مواقع الحِمى التي طورتها جمعية حماية الطبيعة في لبنان خلال السنوات الماضية، حيث تحولت حماية الطبيعة إلى مصدر دخل للمجتمعات المحلية، وأصبح السكان أنفسهم حراساً للموارد الطبيعية التي تشكل أساس معيشتهم.

رسالة تتجاوز حدود حردين

قد تبدو حردين قرية صغيرة على خارطة لبنان، لكنها تحمل رسالة كبيرة.

ففي زمن تتعرض فيه النظم البيئية لضغوط متزايدة، وتواجه القرى اللبنانية تحديات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، تقدم حردين نموذجاً يقول إن التنمية لا تبدأ بالإسمنت، بل تبدأ بحماية ما يميز المكان.

وتؤكد هذه التجربة أن التراث الديني لا ينفصل عن التراث الطبيعي، وأن الغابات ليست مجرد مساحات خضراء، بل جزء من الهوية الثقافية والروحية للمجتمع.

ومن هنا، فإن إعلان حِمى حردين لا يضيف موقعاً جديداً إلى شبكة الحِمى في لبنان فحسب، بل يوسع مفهوم الحِمى نفسه، ليشمل المواقع التي تمتزج فيها الطبيعة بالإيمان، والتاريخ بالتنمية، والإنسان بالأرض.

نحو شبكة وطنية من الحِمى

تمضي جمعية حماية الطبيعة في لبنان في بناء شبكة وطنية مترابطة من الحِمى ودروب المشي، تربط بين المجتمعات المحلية والمواقع الطبيعية والثقافية، وتعيد إحياء مفهوم الحِمى بوصفه نموذجاً لبنانياً أصيلاً للإدارة المجتمعية للموارد الطبيعية.

وفي هذا السياق، تشكل حردين محطة استراتيجية، ليس فقط بسبب غناها البيئي والتاريخي، بل لأنها تثبت أن المجتمعات المحلية، عندما تمتلك الرؤية والشراكة، تستطيع أن تقود بنفسها عملية الحفاظ على الطبيعة وصناعة مستقبلها.

فالمشروع لا ينتهي بإعلان الحِمى، بل يبدأ منه.

إنه يبدأ بتأهيل الدروب، وتوثيق التنوع البيولوجي، وتركيب اللوحات التفسيرية، وتدريب الأدلاء المحليين، وإشراك الشباب، وتحفيز الاستثمار في السياحة البيئية، وبناء شراكات مع البلديات والكنائس والمؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص.

حردين… أكثر من وجهة

في نهاية الرحلة، يكتشف الزائر أن ما يميز حردين ليس معبداً رومانياً، ولا محبسة معلقة على الجرف، ولا كنيسة أثرية، ولا غابة سنديان، رغم أهمية كل واحد منها.

ما يميزها حقاً هو العلاقة التي نسجتها عبر آلاف السنين بين الإنسان والطبيعة.

إنها بلدة استطاعت أن تحفظ ذاكرتها في صخورها، وإيمانها في أديرتها، وتنوعها البيولوجي في غاباتها، وأن تحول كل ذلك إلى مشروع للمستقبل.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لـ حِمى حردين.

فهي ليست مجرد مساحة محمية، بل رؤية متكاملة تقول إن حماية الطبيعة لا تتحقق بالقوانين وحدها، وإنما بالمجتمعات التي تؤمن بأن الأرض التي ورثتها ليست ملكاً لها وحدها، بل أمانة ينبغي أن تسلمها أكثر غنىً وجمالاً للأجيال القادمة.

وفي حردين، حيث يلتقي الجبل بالصلاة، والغابة بالتاريخ، والطبيعة بالإيمان، تبدو هذه الرؤية أقرب إلى الواقع منها إلى الحلم.

مجلة الحمى العدد السادس

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) العدد السادس من مجلة "الحمى"، والذي يركّز على المؤتمر العالمي لحماية الطبيعة التابع للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) المزمع عقده في أبوظبي بين 8 و15 تشرين الأول 2025، حيث ستشارك الجمعية في أربع جلسات رئيسية. يتضمّن هذا العدد مقابلة حصرية مع رئيسة الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، رزان المبارك، التي شدّدت على أهمية مواءمة عمل الاتحاد مع الأجندات العالمية للتنوّع البيولوجي، وتعزيز الحوكمة والاستجابة لاحتياجات الأعضاء، وتفعيل الانخراط المتعدد الأطراف، وضمان الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا، ورفع أصوات المجتمعات المتنوعة في مسيرة حماية الطبيعة.

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

من شغف المشي إلى حماية الطبيعة: كيف ساهمت جمعية...

ما بدأ كشغفٍ بالمشي في أحضان الطبيعة لدى أبناء بلدة بيصور، تحوّل إلى أحد أبرز نماذج الحماية...

جمعية حماية الطبيعة في لبنان تشارك في نشاط بيئي...

شاركت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)، ممثلةً بمدير مشروع دروب الحِمى حمادة ملاعب، في نشاط رياضي...

حِمى بيصور تستضيف ملتقى الفكر والرأي الحر ضمن مشروع...

استقبلت حِمى بيصور – درب التلّة أعضاء ملتقى الفكر والرأي الحر في نشاط رياضي بيئي جمع بين...