من لبنان إلى نيروبي: جمعية حماية الطبيعة في لبنان تدعو إلى حماية الطيور والطبيعة والسلام عبر صونٍ تقوده المجتمعات المحلية

ماذا لو كان من شأن حماية الطبيعة أن تُسهم أيضاً في بناء السلام؟ وماذا لو أدّت حماية المواقع التي تحتاج إليها الطيور إلى تعزيز صمود المجتمعات المحلية التي تتشارك هذه المواقع؟

خلال قمة «بيردلايف إنترناشونال» في نيروبي، تعرض جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) نهج «الحمى» بوصفه إجابة عملية عن هذين السؤالين.

ويشارك في تمثيل الجمعية كلٌّ من أسعد سرحال، مديرها العام؛ وأندريه بشارة، مدير برنامج «حماة الحمى»؛ ورامي القدرو، مدير مركز الحمى في جبل لبنان؛ وراغدة حداد، رئيسة تحرير مجلة «الحمى». ويعرض الوفد كيف تحوّل إحياء لبنان لنظام الحمى العريق إلى حركة حديثة لصون الطبيعة بقيادة المجتمعات المحلية، تربط بين الإنسان والتنوع البيولوجي والطيور المهاجرة والسلام. ويقدّم أعضاء الوفد مجتمعين «الحمى» بوصفه نهجاً متجذراً في الثقافة المحلية وقابلاً للتطبيق والاستفادة منه خارج حدود لبنان.

وخلال الحدث، انتُخب أسعد سرحال وفادي ناصر، المدير العام للجمعية الملكية لحماية الطبيعة في الأردن، عضوين ممثلين لمنطقة الشرق الأوسط في المجلس العالمي لـ«بيردلايف إنترناشونال». كما أُعيد انتخاب سرحال رئيساً لشراكة «بيردلايف» في الشرق الأوسط.

أسعد سرحال: من لبنان إلى حركة إقليمية للحمى

في اليوم الأول من القمة، ترأس أسعد سرحال اجتماع الشراكة الإقليمية للشرق الأوسط. وفي معرض ترحيبه بالمندوبين القادمين من الأردن وسوريا والعراق وفلسطين ولبنان وسلطنة عُمان، شدّد على التزام شركاء «بيردلايف» الـ124 بالعمل على وقف مسار الانقراض العالمي للطيور وعكس اتجاهه.

تتشارك المجتمعات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط نظماً بيئية مترابطة ومسارات لهجرة الطيور، ومعارف تقليدية متعلقة بالأرض والمياه، وتحديات بيئية ومعيشية متشابهة، فضلاً عن أساس ثقافي مشترك للإدارة الجماعية الرشيدة للموارد الطبيعية.

وقال سرحال: «يمكن لمواقع الحمى أن توفّر لغة مشتركة لصون الطبيعة والتعاون. لم يعد ممكناً تنفيذ جهود الصون نيابةً عن المجتمعات المحلية، بل يجب تنفيذها بالشراكة معها. ويقدّم نهج الحمى مساراً متجذراً محلياً للربط بين الإنسان والثقافة والطبيعة، بالتوازي مع تعزيز التعاون عبر المناظر الطبيعية والحدود ومسارات هجرة الطيور».

وتقترح جمعية حماية الطبيعة في لبنان إنشاء شبكة إقليمية للحمى تضم لبنان والأردن وفلسطين وسوريا والعراق، وتربط بين المناطق المهمة للطيور والتنوع البيولوجي، ومسارات هجرة الطيور، والأراضي الرطبة، والمراعي، والمشاهد الطبيعية والثقافية، من جهة؛ وسبل عيش المجتمعات المحلية والمعارف التقليدية ومنظمات حماية الطبيعة والسلطات المحلية، من جهة أخرى.

أندريه بشارة: تمكين حماة الحمى

ركّز أندريه بشارة على برنامج «حماة الحمى»، وهم الأفراد والمجتمعات الذين يشاركون بفاعلية في حماية مواقع الحمى وإدارتها، بالتوازي مع تطوير سبل عيش مستدامة وصون التراث الطبيعي والثقافي للأجيال المقبلة.

والحمى نظام تقليدي لصون الطبيعة قائم على المجتمع المحلي، يعود تاريخه إلى نحو 1500 عام. ويقوم مبدؤه الأساسي على فكرة واضحة ومباشرة: يجب أن يصبح الأشخاص الذين يعتمدون على الطبيعة حماةً لها أيضاً.

ويجمع برنامج «حماة الحمى» طيفاً مجتمعياً واسعاً بصورة استثنائية، يشمل الطلاب والشباب، والمزارعين والرعاة والصيادين وصيادي الأسماك، والنساء والعائلات، والمعلمين والبلديات والقيادات المحلية، والباحثين والحرفيين والمتطوعين ومجموعات المجتمع المدني.

وشدّد بشارة على أهمية تزويد الشباب بالمعارف والمهارات العملية التي تمكّنهم من التحرك والمبادرة. ويشمل التدريب مراقبة الطيور، وتصوير الحياة البرية، ورصد الأنواع، والتربية البيئية، والإرشاد، والقيادة، والسلامة، ومهارات البقاء، وأخلاقيات الصيد المستدام. وبذلك، يصبح «حماة الحمى» قادةً في مجال صون الطبيعة، ومحفزين للعمل المجتمعي، ومدافعين عن البيئة، وعناصر فاعلة في تعزيز السلام والقدرة على الصمود.

وقد نجح هذا النهج في الوصول إلى أكثر من 5700 طالب من خلال برنامج «مدرسة بلا جدران» (SNOW) التابع للجمعية، كما أشرك 37 مدرسة ودرّب أكثر من 1500 من «حماة الحمى».

رامي القدرو: قياس الأثر والتطلع إلى عام 2030

عرض رامي القدرو أثر جمعية حماية الطبيعة في لبنان في مجال الصون وأولوياتها حتى عام 2030، مقدّماً الحمى بوصفها نموذجاً تقوده المجتمعات المحلية ويربط بين أربع ركائز مترابطة: الأنواع، والمواقع، والنظم، والمجتمع.

وسلّط العرض الضوء على نطاق عمل الجمعية، إذ أُنشئ 65 موقعاً للحمى في مختلف أنحاء لبنان تغطي نحو 7% من مساحة البلاد. كما وُثّق 27 موقعاً منها في قاعدة البيانات العالمية للمناطق المحمية، فيما تربط شبكة «دروب الحمى» بين نحو 223 كيلومتراً من المسارات والمجتمعات المحلية والمناظر الطبيعية.

وفي مجال حماية الطيور، تُنتج الإجراءات الميدانية نتائج قابلة للقياس. تنفّذ الجمعية سنوياً 77 دورية لمكافحة الصيد الجائر، ورصدت أكثر من 50 ألف طائر خلال عملياتها الميدانية، وأنقذت 22 طائراً، من بينها خمسة طيور مهددة بالانقراض، كما درّبت أكثر من 1500 من «حماة الحمى» للمساهمة في الحماية والتوعية والإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية.

وسلّط القدرو الضوء أيضاً على الدور المتنامي للتكنولوجيا والتعليم. تعمل مبادرة «الحمى الذكية» على تطوير استخدام نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي وعلوم المواطنين، فيما وصل برنامج «مدرسة بلا جدران» التابع للجمعية إلى 5725 طالباً.

كما استقطبت «دروب الحمى» نحو 14 ألف زائر، من بينهم 2500 شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة، في حين رُبطت 15 مؤسسة محلية بفرص السياحة القائمة على الطبيعة.

وفي إطار التطلع إلى عام 2030، تحدد جمعية حماية الطبيعة في لبنان تحدياً أساسياً يتمثل في أن أثر الحمى يتوسع بوتيرة أسرع من تطور الأنظمة اللازمة لاستدامته وتوسيع نطاقه. وتشمل الأولويات تعزيز القدرات التقنية، وتوحيد معايير البيانات، والحفاظ على الملكية الفعلية للمجتمعات المحلية، والتصدي للضغوط الخارجية، ومنها القتل غير المشروع للطيور، وتجزؤ الموائل الطبيعية، وحرائق الغابات، والتنمية غير المنظمة، وتزايد الإجهاد المائي.

مجلة الحمى العدد السابع

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان العدد السابع من مجلة الحِمى، مجددةً التزامها بتعزيز نهج الحماية المجتمعية للطبيعة، وترسيخ مكانة لبنان كدولة رائدة إقليمياً في مجال الحلول القائمة على الطبيعة. ويأتي هذا العدد الجديد في مرحلة مفصلية تتطلب تكثيف الجهود البيئية في لبنان والمنطقة، حيث يجمع بين الرؤى العلمية، والمعارف التقليدية، والخبرات العالمية تحت عنوان جامع هو: «من قمم الجبال إلى الساحل... حِمى تلو الأخرى».

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

جمعية حماية الطبيعة في لبنان تنظّم يومًا تعليميًّا ضمن...

نظّمت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)، بالتعاون مع مؤسسة أرض الإنسان (Terre des hommes – Tdh)،...

«درب الورود» في حمى حدائق الديمان: الطبيعة والروحانية تلتقيان…...

برعاية وحضور البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، وبحضور الدكتور أنطوان صفير ممثّلًا رئيس الجمهورية العماد...
Geological site in Kfarmatta

مستقبلٌ جذوره في الأرض: دليل جديد من جمعية حماية...

يجمع «دليل الحِمى» بين تقليد عريق وخطوات عملية للعمل المحلي، ليُبيّن كيف تستطيع المجتمعات حماية الطبيعة، وصون...