المرأة والحِمى: تمكين المجتمعات، حماية الطبيعة، واستدامة سبل العيش

الحِمى: علاقة بين الإنسان والطبيعة

الحِمى ليست مجرد منطقة جغرافية مخصّصة للحماية، بل هي نموذج لعلاقة متكاملة بين الإنسان والطبيعة والثقافة والمسؤولية.

وتستند الحِمى إلى تقليد عريق في الإدارة المجتمعية للموارد الطبيعية، حيث تُنظر إلى حماية الطبيعة ورفاه المجتمعات باعتبارهما هدفين مترابطين. فالمجتمعات تعتمد على النظم البيئية السليمة للحصول على الغذاء والمياه وسبل العيش والحفاظ على هويتها الثقافية وتعزيز قدرتها على الصمود، وفي المقابل تتحمل مسؤولية حماية الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها حياتها.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة اليوم، في ظل ما تواجهه المجتمعات من فقدان للتنوع البيولوجي، وتغير المناخ، وتدهور الأراضي، وشح المياه، والتلوث، وتراجع سبل العيش.

ولا يمكن تحقيق حماية فعّالة وطويلة الأمد للطبيعة من خلال إبعاد المجتمعات عن عملية صنع القرار، بل من خلال المعرفة المحلية والمشاركة والمسؤولية المشتركة والعدالة في توزيع المنافع.

وفي هذا الإطار، تؤدي المرأة دوراً أساسياً.

المرأة: حارسة للبيئة وحاملة للمعرفة

النساء مزارعات، وراعيات، وصيادات، ومنتجات، ومربيات، ورياديات، وناشطات مجتمعيات وقائدات محليات. وغالباً ما يمتلكن معرفة دقيقة بالنظم البيئية المحلية، والنباتات والبذور، والنظم الغذائية، ومصادر المياه، والزراعة، والتغيرات الموسمية.

وتشكّل هذه المعرفة البيئية المحلية قيمة مهمة ومكمّلة للمعرفة العلمية.

يمكن للمرأة أن تساهم في رصد التنوع البيولوجي، واستعادة النظم البيئية، والزراعة المستدامة، والحفاظ على المياه، والتوعية البيئية. كما يمكنها، عند توفير التدريب والتكنولوجيا المناسبة، المشاركة في رسم الخرائط المجتمعية، والعلم التشاركي، ومراقبة التغيرات البيئية.

ومن هنا، فإن الاعتراف بمعارف النساء وحمايتها هو أيضاً جزء من حماية التنوع البيولوجي وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.

المرأة وسبل العيش واستدامة الحماية

لا يمكن فصل حماية البيئة عن الواقع الاقتصادي للمجتمعات. فالمجتمعات تكون أكثر قدرة واستعداداً لحماية مواردها الطبيعية عندما ترتبط جهود الحماية بسبل عيش مستدامة وكريمة.

وتؤدي النساء دوراً مهماً في الاقتصادات المحلية من خلال الزراعة، وتصنيع الأغذية، والحرف اليدوية، والأنشطة المرتبطة بالصيد، والسياحة، والمشاريع الصغيرة.

ويمكن للحِمى أن تفتح أمام النساء فرصاً في مجالات متعددة، منها:

  • الزراعة المستدامة والزراعة الإيكولوجية؛
  • إنتاج الأغذية المحلية والتقليدية؛
  • النباتات الطبية والعطرية؛
  • الحرف اليدوية والمنتجات المحلية المستدامة؛
  • السياحة المجتمعية والسياحة البيئية؛
  • الإرشاد والتوعية البيئية؛
  • إعادة التدوير والاقتصاد الدائري؛
  • والمشاريع القائمة على الطبيعة.

لكن التمكين الاقتصادي لا يقتصر على التدريب. فالمرأة تحتاج أيضاً إلى الوصول إلى الأسواق والتمويل والتكنولوجيا وشبكات الأعمال والمشاركة في اتخاذ القرار.

لذلك، ينبغي للحِمى المستجيبة للنوع الاجتماعي أن تنظر إلى سلسلة القيمة بأكملها، وأن تضمن توزيع فوائد الحماية بصورة عادلة.

من المشاركة إلى القيادة

هناك فرق بين دعوة النساء للمشاركة وبين تمكينهن من القيادة.

يجب أن يكون للنساء تأثير حقيقي في القرارات المتعلقة بإدارة الموارد الطبيعية، وحماية التنوع البيولوجي، والمياه، والزراعة، والسياحة، واستعادة النظم البيئية، والتوعية البيئية، والتنمية الاقتصادية المحلية.

وقد تتخذ القيادة أشكالاً متعددة: امرأة تنظم مبادرة بيئية، أو تؤسس تعاونية، أو تساهم في رصد التنوع البيولوجي، أو تمثل مجتمعها، أو تنشئ مشروعاً مستداماً.

وعندما تمتلك النساء صوتاً حقيقياً في الحوكمة، تصبح حوكمة الحِمى نفسها أكثر قوة وشمولاً.

المعرفة بين الأجيال والقدرة على مواجهة تغير المناخ

يمكن للحِمى أن تكون أيضاً مساحة للتعلم وتبادل المعرفة بين الأجيال.

فالأجيال الأكبر سناً تستطيع نقل معارفها حول النباتات والغذاء والزراعة والمناظر الطبيعية والممارسات التقليدية، بينما تستطيع الأجيال الشابة تقديم أفكار جديدة واستخدام التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة.

وتزداد أهمية هذا التبادل في ظل تغير المناخ، الذي يؤثر في أنماط هطول الأمطار، وتوافر المياه، والزراعة، والنظم البيئية وسبل العيش.

ويمكن للنساء أن يساهمن في تعزيز القدرة على الصمود من خلال ترشيد استخدام المياه، وإنتاج الغذاء المستدام، وحفظ البذور، واستعادة النظم البيئية، وتنويع مصادر الدخل، والتوعية البيئية.

لكن لا ينبغي أن تتحمل النساء وحدهن أعباء التكيف مع تغير المناخ. فتعزيز قدرتهن على الصمود يتطلب أيضاً الوصول إلى الموارد والتكنولوجيا والتمويل والتعليم وصنع القرار.

الحِمى والعدالة البيئية

تقدم الحِمى أيضاً منظوراً مهماً للعدالة البيئية.

فالنهج العادل في حماية الطبيعة يجب أن يطرح أسئلة أساسية:

من يشارك؟ من يستفيد؟ من يتحمل التكاليف؟ أيّ معرفة يتم الاعتراف بها؟ ومن يمتلك القدرة على اتخاذ القرار؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة بالنسبة للنساء والمجتمعات التي تواجه الفقر أو الهشاشة المناخية أو عدم الاستقرار الاجتماعي.

ويمكن للحِمى أن توفر منصة لحوكمة بيئية أكثر شمولاً، تربط بين حماية الطبيعة وكرامة الإنسان وسبل العيش والهوية الثقافية والرفاه الاجتماعي.

نحو حِمى مستجيبة للنوع الاجتماعي

ينبغي للحِمى المستقبلية أن:

  • تعترف بمعارف النساء البيئية والثقافية وتدمجها في التخطيط؛
  • تضمن مشاركتهن الفعلية في الحوكمة واتخاذ القرارات البيئية؛
  • تستثمر في قيادة النساء والفتيات؛
  • تعزز وصول النساء إلى التمويل والأسواق والمشاريع المستدامة؛
  • تدعم الشابات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والعمل البيئي؛
  • تحافظ على المعرفة المتوارثة بين الأجيال؛
  • تقيس مشاركة النساء وقيادتهن وتمكينهن الاقتصادي؛
  • وتضمن التوزيع العادل للمنافع الناتجة عن حماية الموارد الطبيعية.

وبذلك، لا تعود المساواة بين الجنسين مجرد عنصر إضافي في مشاريع حماية البيئة، بل تصبح جزءاً أساسياً من نموذج الحوكمة نفسه.

رؤية للمستقبل

تخيّلوا حِمى تشارك فيها النساء بصورة متساوية في القرارات البيئية؛ وتُقدَّر فيها المعرفة المحلية إلى جانب المعرفة العلمية؛ وتستخدم فيها الشابات التكنولوجيا لرصد التنوع البيولوجي؛ وتساهم فيها النساء المزارعات في بناء نظم غذائية قادرة على مواجهة تغير المناخ؛ وتُنشئ فيها المشاريع التي تقودها النساء مصادر دخل مستدامة دون الإضرار بالموارد الطبيعية.

هذه الحِمى يمكن أن تجمع بين حماية التنوع البيولوجي، واستدامة سبل العيش، والحفاظ على التراث الثقافي، وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ، والمساواة بين الجنسين.

وهذه ليست مجرد رؤية مثالية، بل هي توجه عملي نحو حماية مجتمعية أكثر استدامة للطبيعة.

الخلاصة

تذكّرنا الحِمى بأن الطبيعة لا يمكن فصلها عن المجتمعات، وأن التنوع البيولوجي لا يمكن فصله عن سبل العيش، وأن التراث الثقافي لا يمكن فصله عن المناظر الطبيعية التي نشأ فيها.

النساء في قلب هذه العلاقات. فهن يحملن المعرفة، ويساهمن في الاقتصاد المحلي، ويحافظن على الممارسات الثقافية، وينقلن المعرفة إلى الأجيال القادمة، وينظمن المجتمعات، ويساهمن في حماية الموارد الطبيعية.

لذلك، يجب ألا يُنظر إلى النساء على أنهن مجرد مستفيدات من برامج حماية البيئة، بل باعتبارهن حارسات للطبيعة، ومبتكرات، وحاملات للمعرفة، ورياديات وقائدات.

إن تمكين المرأة لا يعزز المساواة بين الجنسين فحسب، بل يساهم أيضاً في تقوية المجتمعات، وحماية التنوع البيولوجي، واستدامة سبل العيش، وبناء القدرة على الصمود.

الحِمى هي علاقة حيّة بين الإنسان والطبيعة. ولكي تبقى هذه العلاقة قوية ومستدامة، يجب أن تكون المرأة في قلبها، لا على هامشها

مجلة الحمى العدد السابع

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان العدد السابع من مجلة الحِمى، مجددةً التزامها بتعزيز نهج الحماية المجتمعية للطبيعة، وترسيخ مكانة لبنان كدولة رائدة إقليمياً في مجال الحلول القائمة على الطبيعة. ويأتي هذا العدد الجديد في مرحلة مفصلية تتطلب تكثيف الجهود البيئية في لبنان والمنطقة، حيث يجمع بين الرؤى العلمية، والمعارف التقليدية، والخبرات العالمية تحت عنوان جامع هو: «من قمم الجبال إلى الساحل... حِمى تلو الأخرى».

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

Geological site in Kfarmatta

مستقبلٌ جذوره في الأرض: دليل جديد من جمعية حماية...

يجمع «دليل الحِمى» بين تقليد عريق وخطوات عملية للعمل المحلي، ليُبيّن كيف تستطيع المجتمعات حماية الطبيعة، وصون...

من «ما هو الحِمى؟» إلى «كيف نبدأ؟»: دليل عملي...

بقلم أسعد سرحال المدير العام لجمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) كلّما تحدّثنا عن إحياء الحِمى، يتكرّر سؤالان على...

118 جمعية بيئية لبنانية تؤيد مبادرة «الحمى من أجل...

جمعية حماية الطبيعة في لبنان تتجه إلى إشراك عشر وزارات في المبادرة وإطلاقها دولياً في نيروبي في...