«الحمى من أجل السلام» تتصدّر أعمال قمة بيردلايف في نيروبي

من حماية الطيور والموائل الطبيعية إلى بناء الجسور بين المجتمعات، يقدّم إحياء نظام «الحمى» في لبنان مساراً مجتمعياً للحفاظ على الطبيعة وتعزيز القدرة على الصمود والسلام

نيروبي، كينيا — تصدّر نظام «الحمى» العريق للحفاظ على الطبيعة بمشاركة المجتمعات المحلية المشهد في نيروبي، حيث عرضت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) مبادرتها «الحمى من أجل السلام» خلال اجتماع الشراكة العالمية وقمة مسارات هجرة الطيور العالميتين، اللذين نظمتهما منظمة بيردلايف إنترناشونال.

وجمعت الجلسة الخاصة شركاء في مجال الحفاظ على الطبيعة من مختلف أنحاء الشرق الأوسط وخارجه، لاستكشاف كيفية إسهام الإدارة المجتمعية للموارد الطبيعية في حماية الطيور والتنوّع البيولوجي، بالتوازي مع تعزيز التعاون والقدرة على الصمود والسلام بين المجتمعات التي تتشارك المناظر الطبيعية والموارد الطبيعية.

وفي افتتاح الجلسة، رحّب المدير العام لجمعية حماية الطبيعة في لبنان، أسعد سرحال، بالمتحدثين والمشاركين القادمين من 14 دولة، وعرض مسيرة «الحمى»، من نظام عريق للإدارة المجتمعية يعود تاريخه إلى نحو أربعة آلاف عام، وانتشاره في المنطقة العربية على مدى السنوات الـ1500 الماضية، وصولاً إلى إحيائه بصيغته الحديثة في لبنان على يد الجمعية.

واليوم، أُنشئت 65 حمى في مختلف أنحاء لبنان، بالتعاون مع البلديات والمجتمعات المحلية.

وشدّد سرحال على أنه «لم يعد ممكناً تنفيذ جهود الحفاظ على الطبيعة من أجل المجتمعات، بل يجب تنفيذها بالشراكة معها»، مضيفاً: «تقدّم الحمى مساراً متجذراً محلياً يربط بين الإنسان والثقافة والطبيعة، ويعزّز في الوقت نفسه التعاون عبر المناظر الطبيعية والحدود ومسارات هجرة الطيور».

وقد لاقت هذه الرسالة صدى قوياً ضمن الرؤية الأوسع لبيردلايف، التي تجمع منظمات الحفاظ على الطبيعة من مختلف البلدان لمواجهة فقدان التنوّع البيولوجي من خلال التعاون والعمل المتجذّر في البيئات المحلية.

خضر: يمكن للحمى أن تسهم في حماية المناطق المهمة للطيور

تطرّق الدكتور إبراهيم خضر، المدير الإقليمي لبيردلايف الشرق الأوسط، إلى تعاون المنظمة مع جمعية حماية الطبيعة في لبنان لإحياء نظام الحمى منذ عام 2005، حين جرى الاعتراف بإمكانات هذا النهج في تعزيز حماية المناطق المهمة للطيور.

وأشار خضر إلى النمو اللافت لحركة الحمى في لبنان، معتبراً أن نجاحها يستند إلى ارتباطها بالهوية والثقافة والتاريخ.

وقال: «لم تعد الحمى مجرد نهج، بل أصبحت إرثاً نستكشف من خلاله ذواتنا وتاريخنا».

وشدّد على أن حركة الحمى باتت اليوم في موقع يؤهلها للتوسّع في مختلف أنحاء المنطقة، بعد عقود من الإهمال.

وأضاف خضر: «يمكن للحمى أن تحقق السلام بين مختلف الفئات داخل المجتمع الواحد، وبين المجتمعات المتجاورة، وعلى مستوى البلد بأكمله، وحتى بين الدول».

حداد: من حماية الطيور إلى بناء السلام

تناولت رئيسة تحرير مجلة الحمى، رغيدة حداد، العلاقة بين حماية الطيور والإدارة المجتمعية للموارد الطبيعية وبناء السلام.

يقع لبنان على مسار الهجرة الشرقي للطيور، ما يجعل غاباته وأراضيه الزراعية ومناطقه الرطبة ومساحاته المفتوحة ذات أهمية حيوية للطيور المهاجرة. ويمكن للحمى أن توفّر مناظر طبيعية متكاملة تتعاضد فيها حماية الموائل والطيور وسبل العيش المستدامة والبحوث العلمية والعمل المجتمعي.

وسلّطت حداد الضوء على استمرار تحدّي القتل غير المشروع للطيور، وعلى عمل جمعية حماية الطبيعة في لبنان في مجال تعزيز مناطق الصيد المسؤول ومكافحة الصيد الجائر، مؤكدة الدور الذي يؤديه «حماة الحمى» في حماية الحياة البرية وترسيخ ثقافة الرعاية والمسؤولية تجاه الطبيعة.

لكنها أوضحت أن نهج الحمى قادر على تجاوز حدود الحفاظ على الطبيعة.

وتقوم مبادرة الجمعية «الحمى من أجل السلام» على خمسة مبادئ هي: المشاركة، والملكية، والمصالح المشتركة، والعمل العملي، والقدرة على الصمود. وتهدف المبادرة إلى تحويل الموارد الطبيعية المشتركة من مصادر محتملة للتوتر إلى فرص للتعاون.

ويبرز مثال عملي على ذلك في بلدتي كيفون وشملان في جبل لبنان، حيث تعاونت المجتمعات المتجاورة حول مورد مائي مشترك، من خلال التخطيط التشاركي والإدارة المشتركة وتنفيذ مشروع لضخ المياه بالطاقة الشمسية.

كما تربط المبادرة بين الحديقة القرآنية في كيفون والحديقة الإنجيلية في شملان وحديقة الخزامى في سوق الغرب، من خلال «مسارات الحمى»، لتشكّل مشهداً طبيعياً تتلاقى فيه عناصر التنوّع البيولوجي والتراث الثقافي والتفاعل المجتمعي.

كذلك التزمت ثماني بلديات في جبل لبنان بتعزيز التعاون فيما بينها من خلال «ميثاق الحمى».

وعرضت حداد «ميثاق الحمى من أجل السلام» الذي أطلقته الجمعية حديثاً، وهو إعلان من عشر نقاط يربط الحفاظ المجتمعي على الطبيعة ببناء السلام، والقدرة على الصمود في مواجهة تغيّر المناخ، والتنمية المستدامة، والتراث الثقافي، والتعاون الإقليمي.

والميثاق متاح لتأييد المنظمات والأفراد عبر الموقع الإلكتروني للجمعية: www.spnl.org.

شركاء إقليميون يلتزمون بنهج الحمى

أتاحت جلسة نيروبي أيضاً منصة لشركاء الحمى من مختلف أنحاء المنطقة لتبادل خبراتهم وطموحاتهم.

وأعرب فادي ناصر وطارق قانع، من الجمعية الملكية لحماية الطبيعة في الأردن (RSCN)، عن تقديرهما لفوائد نهج الحمى، مشددين في الوقت نفسه على أهمية ضمان استدامته على المدى الطويل والاستفادة من الدروس المستخلصة من التجربة اللبنانية. وتعمل الجمعية الملكية أيضاً مع شركائها على إنشاء مناطق خاصة للحماية، كما تشارك في ائتلاف ممرات الحمى.

وأفاد عماد الأطرش، من جمعية الحياة البرية في فلسطين (PWLS)، بأن العمل جارٍ لإنشاء أربع حمى جديدة بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية.

وأعربت هنادة سادات، من الجمعية السورية لحماية الحياة البرية (SSCW)، عن تفاؤلها بإمكان إنشاء مواقع للحمى في سوريا، بعد العثور على مادة في التشريعات البيئية السورية تتيح للبلديات إنشاء الحمى.

وسلّط عزام علوش، من منظمة طبيعة العراق، الضوء على الحاجة الملحّة إلى إعادة تنشيط القطاع الزراعي العراقي من خلال الحلول القائمة على الطبيعة. وأشار إلى فرص الجمع بين معالجة مياه الصرف الصحي، واستعادة الأراضي الرطبة، والزراعة، وحماية الطيور، مستعرضاً الجهود المبذولة لتطوير علامة خاصة بالحمى وتحديد ثلاثة مواقع محتملة لإنشائها.

وحدّد الشركاء الإقليميون مجموعة من التحديات المشتركة، ولا سيما تأمين التمويل المستدام، وضمان تحقيق منافع اقتصادية محلية ملموسة، وتعزيز قدرات مجتمعات الحمى.

كما أبدوا اهتماماً كبيراً بتطوير مبادرة إقليمية للحمى، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، ومبادرات مسارات الهجرة، وغيرها من المنظمات الدولية.

من المناظر الطبيعية المشتركة إلى المسؤولية المشتركة

أظهرت نقاشات نيروبي أن الحمى تتطوّر من تجربة لبنانية في الحفاظ على الطبيعة إلى حوار إقليمي أوسع نطاقاً.

ففي مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تتشارك المجتمعات النظم البيئية والموارد المائية ومسارات الهجرة والتقاليد الثقافية والتحديات البيئية. وتعبر الطيور هذه المناظر الطبيعية من دون أن تعترف بالحدود السياسية. ويوفّر نهج الحمى وسيلة للربط بين هذه الحقائق البيئية والأشخاص الذين يعيشون في كنفها.

وبالنسبة إلى جمعية حماية الطبيعة في لبنان، يشكّل ذلك جوهر مبادرة «الحمى من أجل السلام»: حماية الموائل التي تحتاج إليها الطيور والحياة البرية، وتمكين المجتمعات التي تعتمد عليها، وصون التراث الثقافي، وإيجاد مصالح مشتركة تتمحور حول الموارد الطبيعية.

مجلة الحمى العدد السابع

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان العدد السابع من مجلة الحِمى، مجددةً التزامها بتعزيز نهج الحماية المجتمعية للطبيعة، وترسيخ مكانة لبنان كدولة رائدة إقليمياً في مجال الحلول القائمة على الطبيعة. ويأتي هذا العدد الجديد في مرحلة مفصلية تتطلب تكثيف الجهود البيئية في لبنان والمنطقة، حيث يجمع بين الرؤى العلمية، والمعارف التقليدية، والخبرات العالمية تحت عنوان جامع هو: «من قمم الجبال إلى الساحل... حِمى تلو الأخرى».

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

الطيور تفقد موائلها ومواقع توقفها على امتداد مسارات الهجرة،...

أطلقت بيردلايف انترناشونال اليوم تقريرها الجديد (حالة طيور العالم) خلال القمة العالمية لمسارات الهجرة والتي تعقد في...

انتخاب أسعد سرحال وفادي نعيم ناصر ممثّلَين لمنطقة الشرق...

أعلنت منظمة بيردلايف إنترناشونال انتخاب أسعد سرحال من لبنان، مدير عام جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)،...

من لبنان إلى نيروبي: جمعية حماية الطبيعة في لبنان...

ماذا لو كان من شأن حماية الطبيعة أن تُسهم أيضاً في بناء السلام؟ وماذا لو أدّت حماية...