من القطب الشمالي إلى أفريقيا، تصل الطيور المهاجرة بين القارات والنظم البيئية والبشر. وفي نيروبي، اجتمع العاملون في حماية الطبيعة من أنحاء العالم لصون المسارات غير المرئية التي تعتمد عليها هذه الطيور.
بقلم راغدة حدّاد
كل عام، ومع تعاقب الفصول، تجري فوق رؤوسنا رحلة استثنائية.
تغادر الطيور مناطق تكاثرها وتحلّق عبر الجبال والصحارى والبحار والحدود الوطنية، قاطعةً آلاف الكيلومترات. ويعبر بعضها محيطات بأكملها. فالخرشنة القطبية، مثلاً، قد تقطع أكثر من 80 ألف كيلومتر سنوياً بين القطب الشمالي والمحيط الجنوبي.
لكن هذه الرحلة تزداد صعوبة.
حين اجتمع العاملون في حماية الطبيعة والعلماء وممثلو الحكومات والمؤسسات المالية في نيروبي، كينيا، للمشاركة في القمة العالمية لمسارات هجرة الطيور التي نظّمتها «بيردلايف إنترناشونال»، كانت رسالة العلم واضحة: الطيور المهاجرة في العالم تواجه أزمة. فقد خلص تقرير حالة الطيور في العالم 2026، الصادر حديثاً، إلى أن أعداد 45% من أنواع الطيور المهاجرة تتراجع، وأن نوعاً واحداً من كل تسعة أنواع مهدّد بالانقراض.
انعقدت القمة من 8 إلى 11 أيلول، بتنظيم مشترك من «بيردلايف إنترناشونال» و«نيتشر كينيا»، وجمعت مشاركين من أنحاء العالم لمواجهة مشكلة لا تستطيع أي دولة حلّها بمفردها.
فالطيور لا تتوقف عند الحدود.

رحلة تقوم على حلقات مترابطة
مسار الهجرة أكثر بكثير من خط مرسوم على خريطة. إنه شبكة مترابطة من مناطق التكاثر ومحطات الاستراحة والأراضي الرطبة والغابات والمراعي والمناطق الساحلية والموائل التي تقضي فيها الطيور الفترات خارج موسم التكاثر. وتحتاج الطيور إلى هذه المواقع جميعها على امتداد دورتها السنوية. وإذا انقطعت حلقة واحدة، أصبحت الرحلة بأكملها في خطر.
قيّم تقرير حالة الطيور في العالم 2026 جميع أنواع الطيور المهاجرة في العالم، وعددها 1,843 نوعاً. وأظهر أن أعداد 45% منها تتراجع، فيما تستقر أعداد 30%، وتزداد أعداد 14%، ولا تتوافر معلومات كافية عن اتجاهات أعداد النسبة المتبقية، البالغة 11%. وتبدو الصورة مقلقة خصوصاً لبعض المجموعات: فأعداد 54% من أنواع طيور الشواطئ المهاجرة و49% من الطيور البحرية المهاجرة تتراجع. وعلى مسار الهجرة بين شرق آسيا وأسترالاسيا، تتراجع أعداد 53% من الأنواع المهاجرة، كما تتراجع أعداد نصف الأنواع التي تستخدم المسارات البحرية الستة.
ويكشف التقرير حجم الخسائر عبر الزمن. ففي أوروبا، تراجعت أعداد الطيور المهاجرة لمسافات طويلة بنحو 35% بين عامَي 1980 و2024. وفي أميركا الشمالية، تشير بيانات الرصد الطويل الأمد إلى أن 419 نوعاً مهاجراً خسرت، في المحصلة، 2.5 مليار طائر بين عامَي 1970 و2017.
ولا تكمن المشكلة في تناقص أعداد الطيور وحده، بل تشمل أيضاً تدهور الأماكن التي تعتمد عليها. فقد وجد تحليل أجرته «بيردلايف» لـ1,099 منطقة رئيسية للتنوع البيولوجي تستخدمها الطيور المهاجرة أن 58% منها في حالة سيئة أو سيئة جداً. وتستخدم الأراضي الرطبة أكثر من نصف أنواع الطيور المهاجرة، ويعتمد عليها نحو ثلث هذه الأنواع اعتماداً كبيراً. وخلال القرون الثلاثة الماضية، اختفى نحو 3.4 ملايين كيلومتر مربع من الأراضي الرطبة الداخلية، وهي مساحة تقارب مساحة الهند أو شبه الجزيرة العربية بأكملها.
وتنشأ التهديدات، في معظمها، عن أنشطة بشرية. وتشمل الضغوط التي حددتها «بيردلايف» على الأنواع المهاجرة المهدّدة: الأنواع الدخيلة والأمراض، والزراعة، وتغيّر المناخ، والصيد والأسر، والتلوث، والتوسع العمراني، ومصايد الأسماك، والبنية التحتية للطاقة. وتواجه أنواع كثيرة عدداً من هذه الضغوط في الوقت نفسه على امتداد رحلاتها.
وكان اختفاء الكروان رفيع المنقار، الذي تأكد انقراضه عام 2025، تذكيراً مؤلماً بحجم ما هو معرّض للخطر. فهذا أول انقراض مؤكّد لطائر على مستوى العالم في البرّ الرئيسي لأوراسيا وأفريقيا خلال القرون الأخيرة. كما تأكد اختفاء ستة أنواع مهاجرة أخرى، أو يُشتبه في اختفائها، خلال السنوات الـ150 الماضية.
ومع ذلك، لم يكن لقاء نيروبي اجتماعاً لليأس، بل للعمل.
من التحذير إلى الالتزام
انطلقت القمة من إدراك بسيط: حماية الطيور المهاجرة تقتضي حماية رحلتها بأكملها.
واجتمعت الحكومات والعلماء ومنظمات حماية الطبيعة والمؤسسات المالية حول «إعلان نيروبي بشأن مسارات هجرة الطيور»، ملتزمةً تعزيز التعاون الدولي لصون الطيور المهاجرة وموائلها. ووقّعت الإعلان أكثر من 100 منظمة، في مؤشر إلى تنامي التأييد لجهود حماية منسّقة تشمل مسارات الهجرة بكاملها.
ولخّصت الأميرة تاكامادو من اليابان، الرئيسة الفخرية لـ«بيردلايف إنترناشونال»، جوهر اللقاء بقولها: «الطيور المهاجرة لا تعترف بالحدود. إنها تصل آسيا بأفريقيا، والقطب الشمالي بالمناطق المدارية».
ووصف كبير العلماء في «بيردلايف إنترناشونال»، الدكتور ستيوارت بوتشارت، الطيور المهاجرة بأنها مؤشرات على صحة الأنظمة الطبيعية التي تدعم حياتنا، مشيراً في الوقت نفسه إلى سبب مهم يدعو إلى الأمل: جهود الحماية تؤتي ثمارها حين تكون منسّقة.
تمويل الحماية
كان انخراط القطاع المالي من أبرز التطورات في نيروبي. فثلاثة مصارف إنمائية متعددة الأطراف تعمل على إدماج حماية مسارات الهجرة في أطر الإقراض لديها، ضمن التزامات تجاوزت ستة مليارات دولار أميركي منذ عام 2021. ويعمل بنك التنمية الآسيوي على حشد ثلاثة مليارات دولار خلال العقد المقبل لحماية ما لا يقل عن 50 منطقة رطبة ذات أولوية على مسار الهجرة بين شرق آسيا وأسترالاسيا. ويعتزم بنك التنمية لأميركا اللاتينية والكاريبي حشد ما بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار بحلول عام 2050. كذلك يعمل البنك الدولي و«بيردلايف» على حشد مليارات الدولارات لحماية مسارات الهجرة في أفريقيا وأوروبا وآسيا.
ولهذا التوجّه أهمية خاصة بالنسبة إلى أفريقيا. فقد ذكّر المدير التنفيذي لـ«نيتشر كينيا»، الدكتور بول ماتيكو، المشاركين بأن البلدان الأفريقية ليست مجرد أماكن تصل إليها الطيور بعد عبور القارات، بل هي أيضاً جهات ترعى الحلول وتسهم في تنفيذها. فأراضي أفريقيا الرطبة ومراعيها وغاباتها لا غنى عنها لطيور تتكاثر في أوروبا وآسيا والقطب الشمالي. ويتزايد إدراك الترابط بين حماية الطبيعة والتنمية ورفاه الإنسان.
أمل على امتداد مسار الهجرة
وسط الإحصاءات المقلقة، قدّمت نيروبي أيضاً أدلة على إمكان إحداث تغيير.
يوثّق تقرير حالة الطيور في العالم أمثلة ساعدت فيها جهود الحماية المنسّقة على تعافي الحياة البرية. وعلى مسار الهجرة الأفريقي الأوراسي، أوقفت التحركات الدولية لحماية الرخمة المصرية تراجع أعدادها المتكاثرة في البلقان. وفي مناطق أخرى، أتاح ترميم الموائل وإزالة الأنواع الدخيلة عودة مجموعات من الطيور المهاجرة.
والدرس واضح: ينبغي التعامل مع مسار الهجرة بأكمله بوصفه نطاقاً لجهود الحماية. فلا تكفي حماية منطقة رطبة إذا كان الطائر الذي يتغذّى فيها سيواجه لاحقاً تدمير موئله في مكان آخر. ولا تكفي حماية جزيرة للتكاثر إذا كانت الطيور نفسها ستعلق في معدات الصيد على بُعد آلاف الكيلومترات.
قد تبدو السماء بلا حدود، لكن عالم الطيور ليس كذلك.
من نيروبي إلى الحِمى: نقل حماية مسارات الهجرة إلى أرض الواقع
لعل السؤال الأهم بعد نيروبي ليس ما اتُّفق عليه داخل قاعة القمة، بل ما ستعنيه تلك الالتزامات على الأرض. وقد تكمن الإجابة في نهج يبدأ بالناس والأماكن التي يعيشون فيها: الحِمى.
يتجذّر نظام الحِمى في تقليد عريق لإدارة الموارد الطبيعية بمشاركة المجتمعات المحلية في الشرق الأوسط. وهو لا ينظر إلى حماية الطبيعة على أنها مجرد تخصيص أراضٍ بعيداً عن الناس، بل على أنها مسؤولية مشتركة بين المجتمعات والطبيعة. وفي صورته المعاصرة، يجمع الحِمى بين المعرفة المحلية، والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية، وصون التنوع البيولوجي، ومشاركة المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يلتقي نهج الحِمى مع الرؤية التي طُرحت في نيروبي لمسارات الهجرة. فقد يتكاثر الطائر المهاجر في بلد، ويتوقف ليتغذّى في بلد آخر، ويقضي الشتاء في مكان ثالث. ويتوقف بقاؤه على سلامة هذه السلسلة بأكملها.
ويبدأ الحِمى من إحدى حلقات تلك السلسلة. فالمنطقة الرطبة أو الغابة أو الجبل أو المرعى أو الساحل تصبح أكثر من مجرد نقطة على خريطة الحماية حين يتحوّل سكانها إلى حماة لها. ومن خلال مشاركة المجتمع والمؤسسات المحلية والإدارة المستدامة، يمكن للحِمى أن يساعد على إبقاء هذه الأماكن صالحة للناس والحياة البرية معاً.
دور المجتمعات في حماية الطيور المهاجرة
هنا تلتقي الرؤية العالمية التي عُرضت في نيروبي بواقع المناطق الطبيعية. فإعلان نيروبي بشأن مسارات الهجرة يدعو إلى التعاون عبر الحدود وإدماج الحماية في التنمية والتمويل. أما الحِمى فينقل هذا الطموح إلى مستوى المجتمع المحلي، حيث تُتخذ يومياً القرارات المتعلقة بالمياه والرعي والزراعة والغابات والأراضي الرطبة.
وتبرز أهمية ذلك خصوصاً على مسار الهجرة الأفريقي الأوراسي، الذي يربط أوروبا بالشرق الأوسط وأفريقيا. فالطيور التي تصل إلى الأراضي الرطبة الأفريقية لا تخص بلداً واحداً. رحلتها تمتد على طول المسار، وكذلك المسؤولية عن حمايتها.
وفي لبنان مثال حيّ على هذا الترابط. فمنذ عام 2004، تعمل جمعية حماية الطبيعة في لبنان، الشريك الوطني لـ«بيردلايف إنترناشونال»، على إحياء الحِمى نموذجاً لحماية الطبيعة بمشاركة المجتمعات المحلية. وهي تتعاون مع البلديات والسكان لحماية الموائل والتنوع البيولوجي، مع دعم الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية.
ويمنح ذلك رسالة نيروبي بُعداً إنسانياً مباشراً. فمستقبل الطيور المهاجرة لا يتوقف على الاتفاقات الدولية وتمويل الحماية فحسب، بل يعتمد أيضاً على الناس في الميدان: مزارع يحمي أرضاً رطبة، وراعٍ يدير الرعي بصورة مستدامة، وبلدية تعتني بمنطقتها الطبيعية، وشباب يرصدون الطيور، أو مجتمع يختار صون مورد طبيعي للأجيال المقبلة.
يوفّر مسار الهجرة الرؤية العالمية، ويوفّر الحِمى العمل المحلي. ومعاً، يقدّمان طريقة للنظر إلى حماية الطبيعة بوصفها شبكة حيّة من الناس والأماكن والنظم البيئية المترابطة عبر الفصول والحدود.
ولعل الرحلة الحقيقية تبدأ هنا: على الأرض، حين يختار الناس أن يصبحوا حماة الأماكن التي تعبرها الهجرة الكبرى.
راغدة حدّاد رئيسة تحرير مجلة «الحِمى» الصادرة عن جمعية حماية الطبيعة في لبنان.






