مع إحياء اليوم العالمي للطيور المهاجرة في 10 تشرين الأول، تبرز مسؤولية لبنان في حماية الطيور التي تعبر أجواءه، والفرصة المتاحة أمام مجتمعاته للمساهمة في هذه الحماية. ويسلّط شعار هذا العام، «كل طائر له أهميته – مشاهداتكم تُحدث فرقاً!»، الضوء على دور الناس في صون الطبيعة من خلال الرصد والتوثيق والمشاركة.
سرب يعبر فوق قرية، أو نسر يحلّق فوق سلسلة جبلية، أو طائر صغير يستريح قرب أرض رطبة؛ مشاهد قد تبدو عابرة، لكنها تحمل معلومات مهمة عن الطبيعة. وعندما تُسجَّل هذه المشاهدات بدقة وتُشارك ضمن برامج الرصد، تصبح جزءاً من المعرفة اللازمة لفهم هجرة الطيور وحماية الموائل التي تعتمد عليها.
يضع اليوم العالمي للطيور المهاجرة 2026، الذي يُحتفل به في 9 أيار و10 تشرين الأول، العلم المجتمعي، المعروف أيضاً بعلم المواطن، في صلب جهود الحماية. ويؤكد أهمية مساهمات المتطوعين والطلاب والمجتمعات المحلية ومراقبي الطيور في فهم مسارات الهجرة، والتغيرات في أعداد الطيور، والضغوط التي تواجه موائلها.
بالنسبة إلى جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)، يرتبط هذا الشعار مباشرة بنهجها القائم على المشاركة المجتمعية: حماية الطبيعة مع الناس.
سماء لبنان تصل بين القارات
يقع لبنان على مسار رئيسي لهجرة الطيور يربط أوروبا وغرب آسيا بأفريقيا. وفي كل ربيع وخريف، تعبر ملايين الطيور أراضيه وأجواءه، لتصبح مناظره الطبيعية جزءاً من شبكة بيئية تمتد عبر الحدود. وقد أكدت جمعية حماية الطبيعة في لبنان الأهمية الدولية لهذا العبور، وضرورة حماية الطيور التي تستخدم هذه المسارات.
لذلك، تتجاوز آثار القرارات المتعلقة بحماية الطبيعة في لبنان حدوده الوطنية. فالعبور الآمن في بلد ما قد تقوّضه المخاطر في بلد آخر، فيما يمكن لحماية موقع للراحة أو التغذية في لبنان أن تساعد الطيور على استكمال رحلاتها عبر دول عدة.
تبدأ مسؤولية لبنان محلياً، لكنها تمتد دولياً: حماية أرض رطبة، أو الحفاظ على غابة سليمة، أو منع إطلاق النار غير القانوني على الطيور، كلها مساهمات في صون تراث طبيعي مشترك.
لماذا تُحدث المشاهدات فرقاً؟
تحتاج حماية الطيور إلى معلومات موثوقة: ما الأنواع التي تستخدم موقعاً معيناً؟ متى تصل؟ أين تتوقف؟ وهل تتغير مشاهداتها مع مرور الوقت؟
يساعد العلم المجتمعي في الإجابة عن هذه الأسئلة عبر إشراك عدد أكبر من الناس في الرصد والتوثيق. ويمكن للسجلات المتكررة، التي تُجمع وفق أساليب متسقة، أن تساعد الباحثين على التمييز بين مشاهدة استثنائية منفردة ونمط يستحق الدراسة.
وتكمن القيمة في المشاركة وجودة البيانات معاً. فالمشاهدة المفيدة تتضمن الموقع والتاريخ، وتحديد النوع حيثما أمكن، وعدد الطيور، ومدة الرصد. أما التعرف غير المؤكد على نوع الطائر، فيجب تسجيله بوضوح بوصفه غير مؤكد.
في لبنان، يمكن لتوسيع هذه المشاركة أن يعزز المعلومات المتاحة للجمعيات البيئية والبلديات، وأن يساعد المجتمعات على فهم أفضل للحياة البرية المحيطة بها.
من مراقبة الطيور إلى حمايتها في لبنان
تُظهر أنشطة جمعية حماية الطبيعة في لبنان كيف يمكن للمشاركة العامة والرصد العلمي أن يعزز أحدهما الآخر.
خلال حزيران وتموز 2026، جمعت الأنشطة التي قادها شادي سعد، دليل الطبيعة ومسؤول رصد الطيور في الجمعية، بين الرصد والزيارات الميدانية الموجّهة والتربية البيئية في حمانا ومواقع أخرى في جبل لبنان والبقاع. وساهمت المشاهدات المسجلة عبر منصة eBird في ربط العمل الميداني المحلي بشبكة أوسع من معلومات التنوع البيولوجي. وشملت مواقع الرصد مزرعة حمى حمانا، ونقطة مراقبة هجرة الطيور الجارحة، وموقع «أناهيتا» لمراقبة الطيور.
كما دعمت الجمعية التدريب على العلم المجتمعي، بما في ذلك ورشة عمل أُقيمت في رأس المتن في شباط 2025، وطوّرت خرائط للتنوع البيولوجي وقواعد بيانات للرصد تساعد في التخطيط للحماية. وتُظهر هذه الجهود كيف يمكن الجمع بين المعرفة المحلية والتدريب والأساليب العلمية.
وتتمثل الخطوة التالية في تعزيز استمرارية المشاركة: تشجيع الناس على العودة إلى المواقع نفسها، وتطوير مهارات التعرف على الطيور، وتسجيل مشاهداتهم على مدار السنة.
نهج الحمى: المجتمعات حارسة للطبيعة
ينسجم شعار هذا العام مع نهج الحمى الذي تعتمده الجمعية، ويضع المجتمعات المحلية في صلب حماية الطبيعة.
من خلال مواقع الحمى وبرنامج حماة الحمى، تربط الجمعية حماية الموائل بالمشاركة المحلية والتعلّم والرعاية المستدامة للطبيعة. كما أكدت مشاركاتها الإقليمية الأخيرة دور الحماية المجتمعية في الربط بين مسارات هجرة الطيور والتنوع البيولوجي وسبل العيش المحلية.
ويمكن للعلم المجتمعي أن يعزز هذا النهج. فالأشخاص الذين يراقبون محيطهم بانتظام يستطيعون المساعدة في رصد التغيرات، وتوثيق الحياة البرية، ولفت الانتباه إلى الضغوط الناشئة. ومع التدريب المناسب ودعم الخبراء، يمكن لمشاهداتهم أن تسهم في القرارات المتعلقة بإدارة الموائل وحمايتها.
ويتيح ذلك للشباب مشاركة عملية ذات هدف واضح. فتعلّم التعرف على طائر، وتسجيل وجوده، وفهم موئله، يحوّل التربية البيئية إلى مساهمة مباشرة في حماية الطبيعة.
يجب أن يقود الرصد إلى الحماية
تكتسب المعلومات قيمتها الأكبر عندما تدعم العمل الميداني.
لا يزال القتل غير القانوني للطيور يمثل تحدياً خطيراً للحماية في لبنان. وقد جمع عمل الجمعية ضمن مشروع «المسار الآمن 3» (Safe Flyway 3) بين المشاركة المجتمعية والتوعية والتعاون مع الجهات المعنية بإنفاذ القانون. وخلال فترة المشروع الممتدة من 2023 إلى 2025، وثّقت وحدة مكافحة الصيد الجائر 463 حالة مخالفة وتابعتها بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي، إلى جانب دعم التدريب وإنقاذ طيور مهاجرة مصابة.
تخدم مشاهدات الطيور وبلاغات الجرائم المرتكبة بحق الحياة البرية غرضين مختلفين، لكن كليهما يمكن أن يدعم الحماية عندما يُتعامل معه بمسؤولية. فالرصد يساعد في تحديد مواقع مهمة للهجرة، فيما يمكن لتوثيق المخالفات أن يساند عمل السلطات المختصة.
ويجب أن تُمارس هذه الأنشطة بما يحفظ سلامة المتطوعين، عبر الإبلاغ عن المخالفات المشتبه بها من خلال القنوات المناسبة، وتجنّب مواجهة مرتكبيها.
كيف يمكن المشاركة في لبنان؟
يشكل اليوم العالمي للطيور المهاجرة نقطة انطلاق لمشاركة يمكن أن تستمر طوال العام:
- الانضمام إلى نشاط موجّه لمراقبة الطيور أو رصدها: التعلّم من مراقبين ذوي خبرة واتباع أساليب التسجيل المعتمدة.
- الرصد بانتظام: العودة إلى الموقع نفسه تساعد في بناء سجل أكثر فائدة مع مرور الوقت.
- التسجيل بدقة: تدوين التاريخ والموقع ومدة الرصد والأنواع والأعداد، والتمييز بين الأعداد التقديرية والعدّ الدقيق.
- مشاركة المشاهدات عبر برامج الرصد أو المنصات المعتمدة: مع الالتزام بإرشاداتها.
- حماية الطيور أثناء مراقبتها: الحفاظ على مسافة مناسبة، وتجنّب إزعاج الأعشاش أو الأسراب المستريحة، والتعامل بحذر مع معلومات المواقع الحساسة.
- إشراك المدارس والمجتمعات المحلية: يمكن لنشاط عدّ الطيور بإشراف مختصين أن يجمع بين العلم والتعلّم في الطبيعة والعناية بالموائل المحلية.
ويمكن للجهات المنظمة الاطلاع على مواد الحملة وتسجيل أنشطتها عبر الموقع الرسمي لليوم العالمي للطيور المهاجرة.
مسؤولية مشتركة تبدأ محلياً
يذكّر اليوم العالمي للطيور المهاجرة بأن بلداً صغيراً مثل لبنان يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في حماية رحلات تمتد عبر القارات.
كل مشاهدة تُسجَّل بعناية يمكن أن تضيف إلى معرفتنا. وكل موئل يُحمى يمكن أن يساعد في استمرار الهجرة. وكل مجتمع ينخرط في هذه الجهود يمكن أن يعزز الدعم الشعبي اللازم لحماية مستدامة.
ومن خلال نهج الحمى، ورصد الطيور، والتربية البيئية، وشراكات مكافحة الصيد الجائر، تُظهر جمعية حماية الطبيعة في لبنان كيف تتحول هذه المسؤولية إلى عمل ملموس.
كل طائر له أهميته. كل مشاهدة تُحدث فرقاً. ولمجتمعات لبنان دور أساسي في حماية الطيور وضمان استمرار رحلاتها.
#WMBD2026 #SPNL #اليوم_العالمي_للطيور_المهاجرة #حماية_الطبيعة #الحمى #حماة_الحمى #لبنان #العلم_المجتمعي






