ملايين الطيور تُصاد أو تُحتجز بصورة غير قانونية في منطقة البحر الأبيض المتوسط كل عام: خبراء يحذّرون من تفاقم المشكلة

بمناسبة اليوم العالمي للطيور المهاجرة، تدقّ ثلاث منظمات رائدة في مجال الحفاظ على الطيور وموائلها الطبيعية وهي تور دو فالا ويورو ناتور وبيردلايف إنترناشونال ناقوس الخطر إزاء استمرار الصيد والأسر غير القانونيين للطيور المهاجرة على نطاق واسع في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. وتدعو المنظمات الثلاث الحكومات إلى تسريع تنفيذ التزاماتها لخفض هذه الممارسات بنسبة لا تقل عن 50% بحلول عام 2030.

أبرز النقاط:

  • استمرار التهديد: تُصاد وتُحتجز ملايين الطيور سنوياً وبشكل غير قانوني في حوض المتوسط، مما يهدد قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها الدولية المنصوص عليها في “خطة روما الاستراتيجية (2020–2030)”.
  • عجز في الموارد: تواصل منظمات الحفاظ على الطبيعة جهودها لمكافحة الصيد غير القانوني، لكنها تفتقر في معظم البلدان المعنية إلى الموارد اللازمة لتوسيع نطاق عملها وتعزيز أثره.
  • الحلول متوفرة ولكن: الحلول العلمية والعملية متاحة، غير أن المطلوب هو تطبيقها على نطاق واسع، لا سيما عبر إعداد خطط العمل الوطنية وتنفيذها بفاعلية.

رحلة محفوفة بالمخاطر: من شمال أوروبا إلى أقفاص مرسيليا

وُلدت فراخ “الحسّون الأوروبي” في إحدى غابات شمال ألمانيا، بأوزان لا تتعدى بضع عشرات من الغرامات. وبعد أشهر قليلة، تستعد هذه الطيور لبدء رحلة شاقة تمتد آلاف الكيلومترات نحو جنوب حوض المتوسط لقضاء فصل الشتاء.

غير أن هذه الرحلة الطويلة تحفّها المخاطر؛ فمواقع التوقف المحورية التي تعتمد عليها الطيور للراحة واستعادة طاقتها تتراجع باستمرار جراء التوسع العمراني وحرائق الغابات التي تفاقمها ظاهرة التغير المناخي، ما يقلّص الأماكن المتاحة للراحة ويزيد من إرهاق الطيور وتعرضها للافتراس.

ويُشكّل الصيد غير القانوني خطراً إضافياً قد يحول دون وصول أعداد كبيرة منها إلى وجهتها؛ إذ يُستهدف “الحسّون الأوروبي” تحديداً لعذوبة تغريده وجمال ريشه، لتُباع الطيور التي تنجو من عمليات الاتجار غير المشروع بطرق غير قانونية، وينتهي المطاف بكثير منها داخل أقفاصٍ مُعلّقة عند نوافذ الشقق في مرسيليا أو غيرها من مدن المتوسط. وليست هذه حالة معزولة، بل نموذج صارخ لمشكلة أوسع تهدد الطيور المهاجرة في المنطقة.

Affût de chasse repéré sur le terrain © Khaled Etayeb
Affût de chasse repéré sur le terrain © Khaled Etayeb

وأوضح باريند فان جيميردن، رئيس برنامج مسارات الهجرة العالمية في منظمـة بيردلايف إنترناشونال:

“يُقدَّر عدد الطيور المهاجرة التي تُصاد أو تُحتجز بصورة غير قانونية في مختلف أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط سنوياً بما بين 11 و36 مليون طائر. وبناءً عليه، التزمت دول المنطقة بخفض الصيد والأسر غير القانونيين بنسبة لا تقل عن 50% بحلول عام 2030 بموجب “خطة روما الاستراتيجية”، وفي إطار اتفاقيتي “حفظ الأنواع المهاجرة من الحيوانات الفطرية” (CMS) و”برن”. وقد حان الوقت لتحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع

“.

تحذيرات من بطء التقدم وتوسع الفجوة التنفيذية

لا يزال التقدم المحرز دون المستوى المطلوب؛ إذ يكشف التقرير الأحدث حول الصيد غير القانوني 3 الصادر عن بيردلايف إنترناشونال ويورو ناتور، عن فجوات حادة في تنفيذ الالتزامات الدولية.

من جانبها، قالت الدكتورة جوستين فانسينغيل، مديرة مشروع الطيور المهاجرة في يورو ناتور:

“مع بلوغنا منتصف منتصف إطار تنفيذ “خطة روما الاستراتيجية”، تبين أن 83% من أصل 46 دولة شملها التقييم لم تتخذ التدابير اللازمة لتحقيق الأهداف المحددة. هذه الفجوة تبعث على القلق البالغ، وتُبرز حجم الجهود المطلوب بذلها إذا كانت الحكومات جادة في الوفاء بالتزاماتها البيئية.”

 

وفي سياق متصل، تؤكد نتائج أربع سنوات من الرصد الميداني في ثمانية بلدان متوسطية—والتي أجرتها شبكة الطيور المائية المتوسطية استمرار وتنوع التهديدات التي تواجه الطيور المهاجرة؛ بدءاً من إطلاق النار العشوائي وخارج الأطر التنظيمية، مراراً بالصيد غير المشروع، ووصولاً إلى التسمم والتلوث بالرصاص.

Cartouches usagées retrouvées sur site © Khaled Etayeb
Cartouches usagées retrouvées sur site © Khaled Etayeb

حلول تتناسب مع الواقع المحلي

تظهر بيانات الرصد الصادرة عن شبكة الطيور المائية المتوسطية تباين طبيعة التهديدات والأوضاع من بلد إلى آخر، ما يتطلب معالجة الصيد غير القانوني عبر تدابير مخصصة تستجيب للظروف والتحديات المحلية لكل دولة.

وأشارت لورا دامي، منسقة شبكة الطيور المائية المتوسطية:

“هذه هي المرة الأولى التي نجمع ونعدّ فيها بيانات موحّدة حول هذه القضية. على مستوى حوض المتوسط، تُظهر البيانات حجم العمل الكبير الذي يُنتظر إنجازه، وفي الوقت نفسه تتيح للمنظمات المحلية وضع توصيات موجهة لكل بلد، مما يسهّل الوفاء بالالتزامات الدولية”.

ورغم التحديات، تلوح في الأفق مؤشرات إيجابية؛ حيث يعمل شركاء بيردلايف ويورو ناتور وشبكة الطيور المائية المتوسطية بنشاط لمكافحة الصيد والاحتجاز غير القانونيين في أغلب البلدان المعنية، عبر صياغة توصيات محددة لكل من الدول الثمانية المشمولة بالرصد لضمان معالجة دقيقة للتهديدات.

وترتكز الجهود الحالية على ثلاثة محاور رئيسية:

  1. سدّ الثغرات القانونية: معالجة القصور التشريعي والصلات التنفيذية التي تسمح باستمرار الصيد والأسر غير القانونيين.
  2. توفير التمويل المستدام: دعم برامج الرصد العلمي وتكثيف حملات التوعية المجتمعية.
  3. تعزيز التعاون والشراكات: تحسين مستوى التنسيق بين السلطات الحكومية، والمجتمعات المحلية، وجماعات الصيادين، ومنظمات الحفاظ على الطبيعة.

دعوة حازمة للحكومات: حماية مسارات الهجرة مسعى مشترك

تجدد المنظمات الثلاث دعوتها إلى الحكومات المعنية لتكثيف جهودها في مكافحة الصيد غير القانوني للطيور، والوفاء بالتزاماتها الدولية من خلال تعزيز التعاون مع جميع الأطراف ذات الصلة، والإسراع في تطوير “خطط العمل الوطنية” وتوفير التمويل اللازم لتنفيذها.

فالطيور المهاجرة تعبر حدود دول متعددة أثناء دورة حياتها، مما يجعل التعاون الدولي عبر الحدودي شرطاً أساسياً لضمان فاعلية جهود الحماية؛ إذ لن تحقق التدابير الفردية في دولة واحدة الأثر المنشود ما لم تُرافقها تدابير شاملة ومتقاطعة على امتداد مسار الهجرة بأكمله.

Oiseau retrouvé mort sur un site de comptage © Khaled Etayeb
Oiseau retrouvé mort sur un site de comptage © Khaled Etayeb

عن شبكة الطيور المائية المتوسطية

تأسست “شبكة الطيور المائية المتوسطية” (MWN) عام 2012، وتجمع مجموعة من الشركاء (منظمات غير حكومية محلية ودولية، وجامعات، وهيئات حكومية، وغيرها) المعنيين برصد وحماية الطيور المائية والأراضي الرطبة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، بهدف تعزيز رصد الطيور المائية وصون الأراضي الرطبة. وقد نشأت الشبكة في البداية بالتعاون مع خمس دول من شمال أفريقيا (المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، ومصر)، وبالشراكة مع معهد “تور دو فالا” (Tour du Valat) والمكتب الفرنسي للتنوع البيولوجي (OFB)، بهدف تحسين كمية ونوعية عملية الرصد. ومنذ عام 2017، توسعت الشبكة لتشمل دولاً متوسطية أخرى لتعزيز التبادل العلمي والتقني والتعاون فيما بينها. ومن بين هذه الدول، تشمل الشراكات الرئيسية كلاً من: ألبانيا، وإسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا، واليونان، وصربيا، ومقدونيا الشمالية، والجبل الأسود، والبرتغال، وتركيا.

الموقع الإلكتروني لشبكة الطيور المائية المتوسطية:  Mediterranean Waterbirds Network’s website

عن معهد “تور دو فالا

معهد “تور دو فالا” هو معهد أبحاث مخصص لحماية الأراضي الرطبة المتوسطية، مقره في منطقة كامارغ (فرنسا)، ويعمل كمنظمة خاصة ذات نفع عام. تأسس المعهد عام 1954 على يد “لوك هوفمان”، وواصل منذ ذلك الحين تطوير أنشطته البحثية بهدف ثابت: فهم هذه البيئات بشكل أفضل—إذ تُعد الأراضي الرطبة أكثر الأنظمة البيئية إنتاجية وأكثرها تهديداً على كوكب الأرض—من أجل إدارتها على نحو أفضل. وإيماناً منه بأنه لا يمكن حماية الأراضي الرطبة المتوسطية إلا إذا عملت الأنشطة البشرية وحماية التراث الطبيعي يداً بيد، يعمل معهد “تور دو فالا” منذ سنوات عديدة على تطوير أبحاث وبرامج إدارة متكاملة تعزز الحوار بين أصحاب المصلحة والعلماء، وتعبئ مجتمع الفاعلين، وتروج لفوائد الأراضي الرطبة لدى صناع القرار.

عن مؤسسة “يورو ناتور

“يورو ناتور” هي مؤسسة لحماية الطبيعة مقرها في رادولفتسل بألمانيا. تتسم جهود “يورو ناتور” من أجل أوروبا ذات أنهار حرة التدفق وغابات قديمة وتنوع غني في المناظر الطبيعية الثقافية بطابع عابر للحدود؛ حيث تعمل على تقوية منظمات الحماية المحلية وإنشاء شبكات دولية فيما بينها. وبالتعاون مع شبكة شركائها على مستوى أوروبا، تبتكر “يورو ناتور” حلولاً تتيح للبشر العيش والعمل في تناغم مع الطبيعة. وتُعد حماية الطيور المهاجرة في أوروبا ومكافحة الصيد غير القانوني للطيور من القضايا الرئيسية التي تعمل عليها المؤسسة منذ تأسيسها.

الموقع الإلكتروني لمؤسسة يورو ناتور EuroNatur’s website :

عن بيردلايف انترناشونال

تُعد “بيردلايف إنترناشونال” الشراكة العالمية الوحيدة المكرسة للحفاظ على الطيور وكافة أشكال الحياة على كوكبنا. نحن نهدف إلى إيصال صوت واحد للطبيعة، وتوحيد وتعزيز جهود الحماية عبر الحدود. تتألف شبكتنا من 125 منظمة وطنية لحماية الطبيعة في 120 دولة وإقليماً، بالإضافة إلى فريق عالمي. نعمل جنباً إلى جنب لمعالجة أكثر القضايا ملاءمة وأهمية في العالم الطبيعي. ومعاً، نُمثل السلطة العالمية المعتمدة في علوم الطيور وحمايتها.

الموقع الإلكتروني لبيردلايف إنترناشونال: BirdLife’s website

المراجع والروابط المرفقة:

Filets de chasse retrouvés sur le terrain © Khaled Etayeb
Filets de chasse retrouvés sur le terrain © Khaled Etayeb

مجلة الحمى العدد السابع

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان العدد السابع من مجلة الحِمى، مجددةً التزامها بتعزيز نهج الحماية المجتمعية للطبيعة، وترسيخ مكانة لبنان كدولة رائدة إقليمياً في مجال الحلول القائمة على الطبيعة. ويأتي هذا العدد الجديد في مرحلة مفصلية تتطلب تكثيف الجهود البيئية في لبنان والمنطقة، حيث يجمع بين الرؤى العلمية، والمعارف التقليدية، والخبرات العالمية تحت عنوان جامع هو: «من قمم الجبال إلى الساحل... حِمى تلو الأخرى».

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

سرب واحد، كورال واحد: «أنشودة الطيور العالمية» تحوّل أصوات...

أكثر من 100 تغريدة ونداء للطيور تجتمع في عمل موسيقي أصلي يمزج الإيقاعات الأفريقية بالموسيقى الإلكترونية، احتفاءً...
Photo Credit: Prague Zoo.

أُنقذ في لبنان وبدأ حياة جديدة في براغ: نسر...

«بروك»، الذي عُثر عليه محتجزًا بصورة غير قانونية في لبنان، و«قلمون»، التي أُنقذت في سوريا، ينجبان فرخهما...

كل طائر له أهميته: لماذا يكتسب اليوم العالمي للطيور...

مع إحياء اليوم العالمي للطيور المهاجرة في 10 تشرين الأول، تبرز مسؤولية لبنان في حماية الطيور التي...