«بروك»، الذي عُثر عليه محتجزًا بصورة غير قانونية في لبنان، و«قلمون»، التي أُنقذت في سوريا، ينجبان فرخهما الأول، في إنجاز يربط حماية الحياة البرية محليًا بالجهود الدولية للحفاظ على النسر المصري.
ترحّب جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) بإنجاز بارز في مجال صون الحياة البرية، بعدما نجح نسران مصريان، أُنقذا إثر تعرضهما لإصابات خطيرة واحتجازهما بصورة غير قانونية في الشرق الأوسط، في التكاثر في حديقة حيوان براغ.
أبصر فرخهما الذكر، الذي أُطلق عليه اسم «كالي»، النور في 12 تموز/يوليو 2026، فاتحًا فصلًا جديدًا في قصة إنقاذ جمعت منظمات لحماية الطبيعة، وأطباء بيطريين، وسلطات مختصة، وخبراء في إكثار الأنواع من بلدان عدة. وكان “حماة الحمى” في جمعية حماية الطبيعة في لبنان قد عثروا على والده، «بروك»، في لبنان في أيلول/سبتمبر 2021، فيما أُنقذت والدته، «قلمون»، من احتجاز غير قانوني في سوريا.
نجا الطائران البالغان من إصابات حالت دون إعادتهما إلى البرية. وبفضل تعاون دولي متواصل، نُقلا إلى حديقة حيوان براغ، حيث تحسّنت حالتهما بما أتاح لهما تكوين زوج متآلف وإنجاب فرخهما الأول.
بالنسبة إلى الجمعية، يُظهر هذا الإنجاز الأثر المستدام للتدخل الميداني. فالطائر الذي عُثر عليه محتجزًا بصورة غير قانونية في لبنان قبل خمس سنوات، يُسهم اليوم في الحفاظ على نوع مهدّد بالانقراض من خلال برنامج أوروبي منسّق للإكثار.
عملية إنقاذ بدأت في لبنان
بدأت رحلة بروك إلى براغ في أيلول/سبتمبر 2021، عندما اكتشف “حماة الحمى” في الجمعية أنه محتجز بصورة غير قانونية في مزرعة، إلى جانب نسرين آخرين.
كان بروك وذكر آخر يُدعى «لوكي» يحملان آثار الصيد غير المشروع: كسورًا قديمة في الأجنحة، وعددًا كبيرًا من حبيبات رصاص بنادق الصيد المستقرة في جسميهما. ورغم نجاتهما من الإصابات الأولية، أثبتت الفحوص البيطرية أن الأضرار كانت شديدة إلى حدّ يمنع إعادتهما بأمان إلى البرية.
لذلك، تطلّب إنقاذهما حلًا طويل الأمد يوفّر لهما الرعاية المناسبة، ويتيح لهما، حيثما أمكن، الإسهام في الحفاظ على نوعهما.
وبدعم من الجمعية البلغارية لحماية الطيور (BSPB/بيردلايف بلغاريا)، وبالتعاون بين العاملين في حماية الطبيعة في بلدان عدة، نُقل بروك ولوكي إلى حديقة حيوان براغ في حزيران/يونيو 2022. وانتقل لوكي لاحقًا إلى فرنسا للمشاركة في برنامج إكثار النوع هناك، فيما بقي بروك في براغ.
تُبيّن هذه النتيجة أن عملية الإنقاذ يجب أن تمتد إلى ما بعد العثور على الطائر المصاب. فالتقييم البيطري، وإعادة التأهيل، وتوفير مكان إيواء مناسب، واتخاذ قرارات منسّقة بشأن مستقبل الحيوان، كلها عوامل تحدّد قدرة التدخل على تحقيق فوائد مستدامة.
رحلة قلمون من سوريا عبر لبنان
سلكت قصة قلمون مسارًا لا يقلّ صعوبة.
فقد أُمسكت بصورة غير قانونية في سوريا أثناء هجرتها عام 2019 أو 2020. وفي عام 2021، عُثر عليها في منشأة تُحتجز فيها حيوانات برية بصورة غير قانونية، وسُلّمت إلى السلطات بفضل جهود الجمعية السورية لحماية الحياة البرية (SSCW) وبيردلايف إنترناشونال في الشرق الأوسط.
وكانت إصابة خطيرة في جناحها قد حالت، هي الأخرى، دون عودتها إلى البرية. وأصبح مستقبلها مرهونًا بالعثور على مؤسسة متخصصة تستطيع توفير الرعاية المستمرة وإدراجها ضمن برنامج منظّم للإكثار بهدف الحفاظ على النوع.
أعقبت ذلك مفاوضات مطوّلة وترتيبات دولية معقّدة. وفي أيلول/سبتمبر 2022، نُقلت قلمون من سوريا إلى لبنان، ثم جوًا عبر إسطنبول إلى حديقة حيوان براغ.
شكّل نقلها إنجازًا مهمًا في مجال صون الطبيعة، إذ أصبحت أول نسر مصري يُنقل بنجاح من سوريا إلى أوروبا ويُدرج ضمن برنامج الإكثار الأوروبي الخاص بالنوع.
وهكذا، يؤدي لبنان دورين في هذه القصة المشتركة: البلد الذي عُثر فيه على بروك، ومحطة العبور في رحلة قلمون نحو الرعاية المتخصصة.
كالي: جيل جديد بعد سنوات من التعافي
في حديقة حيوان براغ، وجد بروك وقلمون في بعضهما شريكًا مناسبًا. وبعد التعافي وتلقّي الرعاية المتخصصة، وضعت قلمون بيضة مخصّبة نُقلت إلى حاضنة.
وفي 12 تموز/يوليو 2026، فقس كالي.
ويوضح السرد التفصيلي لحديقة حيوان براغ أنه، بسبب افتقار الزوجين إلى الخبرة في رعاية الفراخ، أُسندت رعاية الفرخ إلى أنثى حاضنة ذات خبرة تُدعى «ديبورا»، مع تقديم تغذية تكميلية بواسطة دمية تشبه رأس نسر مصري بالغ. وتساعد هذه التقنية على منع التطبّع السلوكي الضار على البشر الذين يتولّون رعايته.
ومن المتوقع أن يُسهم كالي مستقبلًا في إدارة المجموعة الأوروبية من النسور المصرية التي تعيش تحت الرعاية البشرية. وسيبقى بروك وقلمون في حديقة حيوان براغ، حيث قد ينجبان فراخًا أخرى في ظروف مناسبة.
يمنح فقس كالي بُعدًا جديدًا لنجاة طائرين حرمتْهما إصاباتهما بصورة دائمة من مواصلة حياتهما في البرية. كما يجسّد سنوات من العمل الدؤوب الذي بذله الأشخاص الذين عثروا عليهما، وأمّنوا رعايتهما، ورتّبوا نقلهما.
ربط برامج الإكثار المتخصصة بتعافي الأعداد في البرية
وفقًا للخبر الذي أعلن نجاح تكاثر الزوجين، شهدت حديقة حيوان براغ فقس 40 فرخًا من النسور المصرية، ما يجعلها من أنجح مراكز إكثار هذا النوع.
ويمتد عملها أيضًا إلى دعم تعافي أعداد النسور في البرية. فبالتعاون مع الجمعية البلغارية لحماية الطيور ومنظمة «غرين بالكانز»، أُطلق 13 نسرًا مصريًا وُلدت في حديقة حيوان براغ في جبال رودوب الشرقية في بلغاريا.
تُظهر هذه الإنجازات كيف تستطيع مؤسسات الإكثار المتخصصة والمنظمات العاملة ميدانيًا الإسهام في هدف مشترك للحفاظ على النوع. فالطيور التي يتعذّر إطلاقها قد تظلّ قادرة على أداء دور مهم في برامج الإكثار المنسّقة، فيما يمكن للطيور المولودة تحت الرعاية البشرية، والملائمة للإطلاق، أن تدعم تعزيز الأعداد في البرية ضمن برامج تُدار بعناية.
وسيتحدّد دور كالي المستقبلي من خلال برنامج الإكثار. وتندرج قصته ضمن هذه الجهود الأوسع للحفاظ على النوع وتعزيز فرص بقائه.
حماية الطيور المهاجرة تتطلّب التعاون على امتداد مساراتها
تربط التنقلات السنوية للنسر المصري بين مناطق التكاثر وممرات الهجرة ومناطق قضاء الشتاء عبر الحدود الوطنية. ويشكّل لبنان وسوريا جزءًا من الرحلات التي تقوم بها هذه الطيور نحو مناطق قضاء الشتاء.
وقد يؤدي إطلاق النار عليها أو الإمساك بها بصورة غير قانونية إلى قطع تلك الرحلات في لحظات. ويمكن أن تستمرّ العواقب طوال حياة الطائر، كما تُظهر الإصابات الدائمة التي تعرّض لها بروك وقلمون.
اعتمد نجاح إنقاذهما على منظمات قادرة على التعاون عبر تلك الحدود نفسها. فقد أسهمت الفرق الميدانية، والسلطات المعنية بالحياة البرية، والأطباء البيطريون، والمتخصصون في النقل، ومؤسسات الإكثار، كلٌّ بدور ضروري في العملية.
وبالنسبة إلى جمعية حماية الطبيعة في لبنان، تؤكد هذه القصة ضرورة منع الاعتداءات غير القانونية على الحياة البرية، مع الحفاظ على آليات فعّالة للاستجابة عند العثور على حيوانات مصابة أو محتجزة بصورة غير قانونية. فالإنقاذ وإعادة التأهيل ضروريان، فيما يظلّ الحدّ من التهديدات التي تتسبّب بهذه الحالات أولوية أساسية لحماية الطبيعة.
وللجمهور دور مهم أيضًا. فإبلاغ السلطات المختصة ومنظمات حماية الطبيعة عن حالات يُشتبه فيها باحتجاز حيوانات برية بصورة غير قانونية، أو عن العثور على حيوانات مصابة، يمكن أن يساعد في لفت الانتباه إليها وإتاحة الاستجابة المناسبة.
مرحلة جديدة: مشروع «LIFE EV Safe Return»
يتزامن نجاح التكاثر مع دخول جهود الحماية الدولية مرحلة جديدة من خلال مشروع «LIFE EV Safe Return» — «العودة الآمنة للنسر المصري»، الذي تنسّقه الجمعية البلغارية لحماية الطيور، بتمويل مشترك من برنامج «LIFE» التابع للاتحاد الأوروبي.
وأعلنت الجمعية البلغارية إطلاق المشروع في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بمناسبة اليوم العالمي للطيور المهاجرة. ويستند المشروع إلى الجهود السابقة لحماية النسر المصري، ويربط التدخلات في مناطق التكاثر بمسارات الهجرة ومناطق قضاء الشتاء.
ووفقًا لإعلان المشروع، من المقرّر إطلاق ما لا يقلّ عن 40 نسرًا مصريًا يافعًا، وُلدت في حدائق حيوان أوروبية أو أُنقذت من البرية، في بلغاريا واليونان. وستتيح أجهزة الإرسال المعتمدة على تقنيتَي GPS/GSM لفرق الحماية متابعة تحركاتها وتحسين فهم التهديدات التي تواجهها.
وستشمل الأنشطة الإضافية التصدي للتسميم والاعتداءات غير القانونية، وجعل خطوط الكهرباء الخطرة أكثر أمانًا، وإشراك المجتمعات المحلية. كما ستشمل تدابير الحماية مواقع رئيسية على مسار هجرة النوع في تركيا وأفريقيا.
ويعكس نهج المشروع درسًا تُجسّده قصة بروك وقلمون: حماية نوع مهاجر تتطلّب عملًا متواصلًا في مختلف الأماكن التي يعتمد عليها بقاؤه.
تقدير الأشخاص والشراكات التي جعلت الإنقاذ ممكنًا
تثمّن جمعية حماية الطبيعة في لبنان الجهد الجماعي الذي أتاح تحقيق هذه النتيجة، بما في ذلك عمل الجمعية البلغارية لحماية الطيور، وحديقة حيوان براغ، والجمعية السورية لحماية الحياة البرية، وبيردلايف إنترناشونال في الشرق الأوسط، إلى جانب السلطات والأطباء البيطريين وغيرهم ممن شاركوا في تأمين رعاية الطائرين ونقلهما.
وكان لكل مرحلة أهميتها، بدءًا من العثور على الطيور وتقييم إصاباتها، وصولًا إلى استكمال الإجراءات الإدارية وتوفير سنوات من الرعاية المتخصصة.
وتتواصل الشراكة الأوسع لحماية النوع من خلال مشروع «LIFE EV Safe Return». فالمشروع، الذي تنسّقه الجمعية البلغارية لحماية الطيور/بيردلايف بلغاريا، يضمّ غرين بالكانز؛ وبيردلايف أوروبا وآسيا الوسطى؛ ووكالة البيئة الطبيعية وتغيّر المناخ (NECCA)؛ وجمعية حماية التنوع البيولوجي في تراقيا (SPBT)؛ والجمعية اليونانية لعلم الطيور (HOS)؛ والجمعية المقدونية للبيئة (MES)؛ وجمعية حماية وصون البيئة الطبيعية في ألبانيا (PPNEA)؛ والجمعية الألبانية لعلم الطيور (AOS)؛ ومنظمة «دوغا» (DOĞA) في تركيا؛ ومنظمة «صحارى كونسرفيشن»؛ وبيردلايف أفريقيا؛ والمؤسسة النيجيرية للحفاظ على الطبيعة (NCF). وتشارك حديقتا حيوان صوفيا وبراغ بصفتهما شريكتين منتسبتين.
وتستند هذه المبادرة الجديدة إلى مشروع «حياة جديدة للنسر المصري — Egyptian Vulture New LIFE»، الذي أُطلق في تموز/يوليو 2017 بعنوان «إجراءات عاجلة لتعزيز أعداد النسر المصري في البلقان وتأمين مسار هجرته»، ويحمل الرمز LIFE16 NAT/BG/000874. وقد جمع ذلك المشروع مؤسسات ومنظمات من 14 بلدًا في البلقان والشرق الأوسط وأفريقيا، بدعم من برنامج «LIFE» التابع للاتحاد الأوروبي، وبتمويل مشترك من مؤسسة «A.G. Leventis»، والصندوق الأخضر «Green Fund»، ومؤسسة «MAVA».
إنجاز في حماية الطبيعة له جذور في لبنان
يمثّل فقس كالي ثمرة مهمة لكل من شارك في إنقاذ والديه، ويذكّر بأهمية العمل المحلي لحماية الطبيعة في لبنان.
فعندما عثر حراس الجمعية على بروك عام 2021، كانت حاجته العاجلة هي الحماية والرعاية. واليوم، أتاحت نجاته ولادة جيل جديد من النسور المصرية.
يبعث هذا الإنجاز الأمل، مع إبقاء الاهتمام منصبًّا على العمل الذي لا يزال مطلوبًا: منع إطلاق النار والإمساك بالطيور بصورة غير قانونية، ودعم الفرق الميدانية، وضمان الرعاية البيطرية المناسبة، واستدامة التعاون على امتداد نطاق انتشار النوع.
من مزرعة في لبنان ومنشأة لاحتجاز الحياة البرية بصورة غير قانونية في سوريا، إلى زوج نجح في التكاثر في براغ، تُظهر رحلة بروك وقلمون ما تستطيع الشراكات الملتزمة بحماية الطبيعة تحقيقه. ويمنح قدوم كالي هذه الجهود امتدادًا حيًّا نحو المستقبل.
للمزيد من المعلومات: مشروع «حياة جديدة للنسر المصري» · رواية حديقة حيوان براغ لقصة بروك وقلمون وكالي · الإعلان عن مشروع «LIFE EV Safe Return»






