Views: 36
بقلم وسيم الخطيب
مدير مركز حماة الحمى الدولي، جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)
شكّلت القليلة والمنصوري، وهما قريتان ساحليتان في جنوب لبنان، في يوم من الأيام ملاذين بيئيين حيويين وموقعين نموذجيين ضمن مشروع “بايو-كونيكت” المدعوم من الاتحاد الأوروبي. وبصفتهما من أوائل الحِمى التي أُنشئت في لبنان، جسّدتا نموذجًا رائدًا للحفاظ على الطبيعة بقيادة المجتمعات المحلية، حيث دمجتا بين النظم البيئية الساحلية والداخلية الغنية بالتنوع البيولوجي. فمن الشواطئ الرملية إلى المواطن الداخلية، احتضنت المنطقة تنوعًا لافتًا من النباتات والحيوانات، محافظةً على توازن طبيعي دقيق لكنه مزدهر.
وقد اشتهرت هذه الحِمى بشكل خاص كمواقع لتعشيش السلاحف البحرية، التي كانت تعود عامًا بعد عام لوضع بيضها على الشواطئ الهادئة غير المضطربة. كما كانت موطنًا لنبتة نرجس البحر (Pancratium maritimum)، وهي زهرة بيضاء نادرة وأنيقة تزهر في أواخر الصيف، وترمز إلى نقاء هذا الساحل وتفرّده البيئي. وقد جعلت هذه العناصر الطبيعية مجتمعةً من القليلة والمنصوري مواقع ذات أهمية بيئية كبيرة، ليس فقط على المستوى الوطني، بل أيضًا على المستوى الإقليمي في جهود الحفاظ على الطبيعة.
وكان في صميم هذا النجاح قادة محليون مثل عدنان وعبد، من حماة الحِمى، الذين كرّسوا أنفسهم لحماية هذه البيئات. ومن خلال التعليم المستمر، والتدريب، والدعم الذي قدّمته جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) ضمن مبادرات ممولة من الاتحاد الأوروبي، أصبحوا حراسًا حقيقيين لبيئتهم، مزوّدين بالمعرفة والأدوات والمسؤولية اللازمة لصون التراث الطبيعي لمجتمعاتهم.
اليوم، انهار هذا النظام بأكمله.
تحت وطأة الحرب وتكرار الاعتداءات، اختفت الحياة من هذه المناطق، للإنسان، وللحيوان، وللنباتات الهشة التي كانت تزدهر يومًا. لم تعد الشواطئ آمنة لتعشيش السلاحف البحرية، ولم تعد الرمال قادرة على احتضان نبتة نرجس البحر. لقد تعرّضت النظم البيئية المترابطة التي كانت تميّز هذه الحِمى لاضطراب عميق، إن لم تكن قد دُمّرت بالكامل.
لم يعد بإمكان عدنان وعبد أداء دورهما. فقد نزحا، ويعيشان اليوم كلاجئين في أماكن أخرى، بعدما انقطعت صلتهما بالأرض التي كرّسا حياتهما لحمايتها. ومع غيابهما، انهار الأساس البشري الذي كان يقوم عليه نظام الحِمى. لقد أصبحت سنوات من التعليم والتدريب وبناء القدرات، إلى جانب المعدات والموارد التي وُفّرت عبر جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) ومبادرات مدعومة من الاتحاد الأوروبي، بلا جدوى أمام حجم الدمار الواسع.
لم تعد هناك ملاجئ، ولا مساحات آمنة للسكان، ولا أي حماية للحياة البرية. وربما الأكثر مأساوية، أنه لم يعد هناك من يوثّق ما يجري. فالخسارة تحدث في صمت، من دون شهود، ومن دون سجلات، ومن دون مساءلة فورية.
إنها ليست مجرد كارثة بيئية، بل هي ظلم عميق بحق الحياة نفسها. مكانٌ كان يجسّد يومًا التعايش بين الإنسان والطبيعة، تحوّل إلى فراغ، فراغ من الأمان، ومن التنوع البيولوجي، ومن الأمل.
يجب أن تُذكَر القليلة والمنصوري بما كانتا عليه، كنموذجين حيّين لكيف يمكن للمجتمعات أن تحمي الطبيعة وتعيش في انسجام معها. إن تدميرهما لا يمثّل مجرد مأساة محلية، بل يشكّل تحذيرًا صارخًا من مدى هشاشة هذه الأنظمة في أوقات النزاع.
حتى وإن لم يبقَ اليوم من يشهد على ما حدث، فإن الحقيقة لا يمكن محوها. ما فُقد هو حقيقة قائمة، ويجب الاعتراف به. لقد كان معظم أهالي القليلة والمنصوري يعتمدون على الصيد كمصدر أساسي للعيش، وقد خسر العديد منهم قواربهم، وهي مصدر رزقهم الوحيد وصلتهم بالبحر. كما كان آخرون يعتمدون على الزراعة، إلا أنه لم يعد هناك أي أرض آمنة أو صالحة للزراعة. لقد اختفت سبل العيش جنبًا إلى جنب مع اختفاء المشهد الطبيعي نفسه.
شكّلت القليلة والمنصوري، وهما قريتان ساحليتان في جنوب لبنان، في يوم من الأيام ملاذين بيئيين حيويين وموقعين أساسيين ضمن مشروع “بايو-كونيكت” المدعوم من الاتحاد الأوروبي. وبصفتهما من أوائل الحِمى التي أُنشئت في لبنان، مثّلتا نموذجًا قويًا للحفاظ على الطبيعة بقيادة المجتمعات المحلية، حيث جمعتا بين النظم البيئية الساحلية والداخلية الغنية بالتنوع البيولوجي. ومن الشواطئ الرملية إلى الأراضي الداخلية، حافظت المنطقة على توازن دقيق بين الإنسان والطبيعة.
وقد عُرفت هذه الحِمى بشكل خاص كمواقع لتعشيش السلاحف البحرية، التي كانت تعود سنويًا لوضع بيضها على شواطئ هادئة وغير مضطربة. كما كانت موطنًا لنبتة نرجس البحر (Pancratium maritimum)، وهي زهرة بيضاء نادرة وأنيقة تزهر في أواخر الصيف، وتنبثق مباشرة من الرمال، لترمز إلى تفرد هذا الساحل. وقد جعل غنى التنوع البيولوجي، نباتًا وحيوانًا، من هذه المنطقة ركيزة أساسية في جهود الحفاظ على الطبيعة في لبنان.
لعبت المجتمعات المحلية دورًا محوريًا في حماية هذا النظام البيئي. فقد كانت الحياة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالبحر وبالأرض، وكلاهما كان يُعامَل بعناية، ومعرفة، واحترام.
وفي طليعة هذه الجهود كان عدنان وعبد، من قادة حماة الحِمى، اللذان عملا بلا كلل لحماية هذه المناطق. ومن خلال التعليم والتدريب والمعدات التي وفّرتها جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) ضمن مبادرات مدعومة من الاتحاد الأوروبي، أصبحا من الحراس الأساسيين للبيئة، يضمنان أن تسير جهود الحماية واحتياجات المجتمع جنبًا إلى جنب.
أما اليوم، فقد تحطّم كلّ ذلك.
في ظلّ الحرب المستمرة وتكرار الاعتداءات، تكاد الحياة أن تكون قد اختفت بالكامل من هذه القرى، للإنسان، وللحيوان، وللنبات على حدّ سواء. فقد خسر الصيادون قواربهم، وهي مصدر رزقهم الوحيد، ما حرمهم من العودة إلى البحر. ولم يعد بإمكان المزارعين الوصول إلى أراضيهم أو زراعتها، إذ لم يعد هناك أي أرض آمنة أو صالحة للزرع أو الحصاد. لقد انقطعت الصلة الأساسية بين الناس وسبل عيشهم بشكل كامل.
أمّا عدنان وعبد، فقد أصبحا من النازحين، يعيشان كلاجئين بعيدًا عن الأرض التي عملا على حمايتها. وعجزهما عن مواصلة عملهما يعكس الانهيار الأوسع للأساس البشري الذي كان يقوم عليه نظام الحِمى. لقد أصبحت سنوات من التدريب والتعليم والاستثمار، إلى جانب الموارد التي وُفّرت عبر جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) ومبادرات مدعومة من الاتحاد الأوروبي، بلا جدوى في مواجهة الدمار. لقد توقّف فعليًا وجود النظام الذي كان يدعم الطبيعة والمجتمع معًا.
لم تعد هناك ملاجئ، ولا مساحات آمنة للسكان، ولا أي حماية للحياة البرية. ولم تعد الشواطئ قادرة على احتضان تعشيش السلاحف، كما لم تعد نبتة نرجس البحر الهشّة قادرة على البقاء في الرمال المتضرّرة والمضطربة. إن التنوع البيولوجي الغني الذي كان يميّز هذه المنطقة يتلاشى تدريجيًا.
والأكثر إثارة للقلق هو الغياب شبه الكامل للشهود. فلم يعد هناك من يوثّق ما يجري، ولا من يسجّل الخسارة، ولا من يحفظ الأدلة. هذا الصمت يعمّق المأساة، ويحوّلها إلى خسارة لا تقتصر على الحياة والبيئة فحسب، بل تمتدّ إلى الحقيقة والمساءلة.
إن ما يحدث يتجاوز مجرد الدمار، إنه اعتداء عميق على الحياة نفسها. مكانٌ كان يجسّد التعايش والاستدامة والأمل، تحوّل إلى فراغ.
يجب أن تُذكَر القليلة والمنصوري، ليس فقط لما فُقد، بل لما كانتا تمثّلانه يومًا.
مرتبط