القليلة والمنصوري: من حِمى نابضة بالحياة إلى أطلال صامتة

بقلم وسيم الخطيب
مدير مركز حماة الحمى الدولي، جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)

لطالما كانت بلدتا القليلة والمنصوري الساحليتان في جنوب لبنان بمثابة محميات بيئية حيوية ونماذج رائدة ضمن مشروع “Bio-Connect” الممول من الاتحاد الأوروبي. وباعتبارهما من أوائل “الحمى” التي تأسست في لبنان، فقد جسدتا نموذجاً قوياً للصون الذي يقوده المجتمع المحلي، حيث تكاملت فيه النظم البيئية الساحلية والبرية الغنية بالتنوع البيولوجي.

إرث من التعاون والشراكة

لم يكن نجاح هذه الحمى وليد الصدفة، بل كان ثمرة جهود دؤوبة استمرت لسنوات طويلة. وهنا نلفت النظر بتقدير كبير إلى الدور المحوري للبلديتين وجهودهما الحثيثة عبر السنين، والتي شكلت الركيزة الأساسية لكل إنجاز بيئي. كما لعبت الجمعية النسائية ومجموعة صيادي الأسماك أدواراً لا غنى عنها في دمج حماية البيئة في النسيج الاجتماعي للمنطقة.

ومن الركائز الأساسية لهذا النجاح كانت شراكتنا مع جمعية تنمية القدرات الريفية (ADR)، شريكنا مع الاتحاد الأوروبي في الجنوب، إلى جانب العديد من أصحاب المصالح والمتطوعين. ولا يمكن إغفال الدور الاستثنائي الذي قام به فريق “البيت البرتقالي” (Orange House) بقيادة منى الخليل وفريقها، الذين كرسوا عقوداً من العمل المتواصل لحماية أكثر من 58 عشاً سنوياً من أعشاش السلاحف البحرية المهددة بالانقراض. لقد عملوا على مدار الساعة لمراقبة هذه الأعشاش حتى مرحلة التفقيس، وضمان عودة صغار السلاحف بأمان إلى البحر في نهاية كل صيف.

انتصارات بيئية ملموسة

نجحت هذه الجهود الجماعية في تحقيق إنجازات تاريخية، منها:

  • حماية الشاطئ: الحد من التعديات على الشواطئ الرملية والكثبان الرملية والثروة السمكية.

  • وقف المخالفات: الوقف النهائي للصيد باستخدام الديناميت والسموم، وغيرها من المخالفات الجسيمة التي كانت تهدد الحياة البحرية.

  • الإدارة المستدامة: اعتماد طرق مستدامة لإدارة الزوار وصيد الأسماك، مما أعاد التوازن البحري وضمن استدامة المخزون السمكي.

كما تبنى المزارعون المحليون ممارسات زراعية صديقة للبيئة، مما قلل من الأضرار التي تلحق بالنظم البيئية المحيطة مع الحفاظ على الإنتاجية. وامتد هذا الأثر إلى المدارس المحلية عبر برامج “SNOW” التابعة لجمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)، لتنشئة جيل جديد واعٍ بيئياً.

الانهيار: عندما يمحو الحرب كل شيء

اليوم، انهار هذا النظام بالكامل.

تحت وطأة الحرب والاعتداءات المتكررة، تلاشت الحياة من هذه المناطق؛ اختفى البشر، ونفقت الحيوانات، ودُمرت النباتات الهشة مثل “زنبق البحر” الذي كان يزين الشواطئ. لم تعد الرمال آمنة لأعشاش السلاحف، وتعطلت النظم البيئية المترابطة التي كانت تميز هذه الحمى.

لقد فقدت “الحمى” أساسها البشري؛ فالمدافعون عنها، مثل عدنان وعبد من “حماة الحمى”، أصبحوا الآن نازحين ولاجئين بعيداً عن أرضهم. إن سنوات من التدريب، والتعليم، وبناء القدرات، والمعدات التي قدمتها SPNL بدعم من الاتحاد الأوروبي، أصبحت بلا أثر أمام حجم الدمار الشامل.

لا توجد ملاجئ متبقية، ولا مساحات آمنة للسكان، ولا حماية للحياة البرية. والمأساة الأكبر هي الصمت الذي يلف هذا الدمار؛ حيث لا يوجد من يوثق ما يحدث. لقد فقد معظم أهالي القليلة والمنصوري قوارب صيدهم—مصدر رزقهم الوحيد وصلتهم بالبحر—كما فقدوا أراضيهم الزراعية التي لم تعد صالحة أو آمنة.

يجب تذكر القليلة والمنصوري كما كانتا: أمثلة حية على كيفية تعايش المجتمعات مع الطبيعة وحمايتها. إن تدميرهما ليس مجرد مأساة محلية، بل هو تحذير صارخ لمدى هشاشة هذه النظم في أوقات الصراعات. وحتى لو لم يبقَ أحد ليشهد اليوم، فإن الحقيقة لا يمكن محوها، وما فُقد هو خسارة فادحة للحياة والإنسانية.

مجلة الحمى العدد السادس

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) العدد السادس من مجلة "الحمى"، والذي يركّز على المؤتمر العالمي لحماية الطبيعة التابع للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) المزمع عقده في أبوظبي بين 8 و15 تشرين الأول 2025، حيث ستشارك الجمعية في أربع جلسات رئيسية. يتضمّن هذا العدد مقابلة حصرية مع رئيسة الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، رزان المبارك، التي شدّدت على أهمية مواءمة عمل الاتحاد مع الأجندات العالمية للتنوّع البيولوجي، وتعزيز الحوكمة والاستجابة لاحتياجات الأعضاء، وتفعيل الانخراط المتعدد الأطراف، وضمان الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا، ورفع أصوات المجتمعات المتنوعة في مسيرة حماية الطبيعة.

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

توثيق التنوع البيولوجي في لبنان: رحلة علمية وفنية لحماية...

في ظل التحديات البيئية المتزايدة، يقدّم هذا المشروع نموذجًا ملهمًا للعمل المستدام القائم على المعرفة والالتزام طويل...

تتسارع وتيرة الجهود البيئية في لبنان: تقدّم ميداني وشراكات...

شكّل شهر آذار 2026 محطة محورية في مسار العمل البيئي في لبنان، حيث تكثّفت الجهود الميدانية والتقنية...

تعزيز السياحة البيئية والتنمية المستدامة من خلال برنامج “دروب...

في إطار تعزيز مفاهيم السياحة البيئية والتنمية المستدامة، نظّم نادي Gungle Gym Fitness Center، بالتنسيق مع جمعية...