في ظل التحديات البيئية المتزايدة، يقدّم هذا المشروع نموذجًا ملهمًا للعمل المستدام القائم على المعرفة والالتزام طويل الأمد. فهو لا يكتفي بتوثيق الطبيعة، بل يسهم في حمايتها وإعادة الاعتبار لها.
إنها قصة تُكتب بهدوء، لكنها تحمل أثرًا عميقًا، قصة تؤكد أن حماية التنوع البيولوجي تبدأ بالمعرفة، وتستمر بالفعل، وتبقى مسؤولية مشتركة للأجيال القادمة.
في مشهد هادئ بعيد عن الأضواء، تتواصل في لبنان جهود استثنائية لتوثيق التنوع البيولوجي، حيث يلتقي العلم بالفن في مشروع طويل الأمد يهدف إلى حفظ الذاكرة الطبيعية للبلاد. من السواحل إلى الجبال، ومن وادي بيروت إلى البقاع الغربي، تتقدم هذه المهمة بخطى ثابتة، مدفوعة برؤية تمتد لعقود.
في صلب هذا العمل، يبرز مشروع طموح لإعداد موسوعة مصوّرة توثق الحياة البرية والنباتية في لبنان، محولًا المشاهدات العلمية إلى مادة بصرية ومعرفية متاحة للجميع.
أرشيف حيّ للطبيعة اللبنانية
شهدت الفترة الأخيرة تقدّمًا ملحوظًا في إعداد الدليل المصوّر للحيوانات في لبنان، والذي يشمل نحو 170 نوعًا من الثدييات والزواحف والبرمائيات. وقد تركز العمل على تحديث النصوص العلمية، وتطوير الرسومات التوضيحية، وإدماج صور فوتوغرافية دقيقة توثّق هذه الأنواع.
غير أن هذا الجهد لا يقف عند هذا الحد، بل يندرج ضمن مشروع أوسع يسعى إلى إنتاج 24 مجلدًا مصوّرًا تغطي التنوع البيولوجي في لبنان، مع هدف طويل الأمد لتوثيق ما يقارب 2900 نوع من الكائنات الحية في لبنان والمنطقة .
وقد تم حتى الآن نشر أربعة مجلدات، فيما يجري العمل على إصدارات جديدة تتناول الحيوانات والنباتات الساحلية.
من الميدان إلى الكتاب: العلم في حركته الطبيعية
وراء هذه الإصدارات، يقف عمل ميداني مكثف يشمل الرصد البيئي (Biomonitoring) في وادي بيروت، مع خطط للتوسع نحو مواقع إضافية خلال الربيع. ويُعد هذا الرصد أساسيًا لفهم التغيرات البيئية، وتوزيع الأنواع، ودعم جهود الحماية.
ويشمل العمل الميداني التنقل في تضاريس مختلفة، وجمع البيانات، والتصوير، والتوثيق الكتابي والفني، في عملية متكاملة تجمع بين الجهد البدني والدقة العلمية.
حدائق الحِمى: حماية الطبيعة على أرض الواقع
بالتوازي مع البحث العلمي، تتجسد جهود الحماية من خلال إدارة حدائق الحِمى في جبل لبنان والبقاع الغربي، حيث تشكل هذه المساحات نماذج حيّة للحفاظ على التنوع البيولوجي.
وقد شهدت هذه الفترة التحضير لإطلاق موقع جديد في شملان، حيث يجري العمل على إنشاء حديقة حِمى نباتية وحديقة للفراشات، من المتوقع أن تُفتتح خلال فصل الربيع. ولا تقتصر أهمية هذه الحدائق على الحماية البيئية، بل تمتد إلى التوعية المجتمعية وتعزيز العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
رؤية طويلة الأمد لحماية الإرث الطبيعي
يندرج هذا العمل ضمن رؤية تمتد على مدى 20 عامًا، تهدف إلى إعداد قاعدة بيانات شاملة وتوثيق مفصل للتنوع البيولوجي في لبنان، بما يشمل جردًا للأنواع النباتية والحيوانية في أكثر من 40 موقع حِمى عبر البلاد .
كما يتجاوز المشروع حدود النشر العلمي، ليشمل إنتاج مواد تعليمية وفنية، مثل المطبوعات والملصقات، التي تسهم في نشر الوعي البيئي، ومنها منتجات تُعرض ضمن سوق الحِمى (Souk el Hima).
نحو المرحلة المقبلة
في المرحلة القادمة، ستتركز الجهود على استكمال إعداد المجلدات المصوّرة، وتوسيع نطاق الرصد البيئي، وتعزيز إدارة حدائق الحِمى. ومع استمرار العمل على هذه المسارات المتوازية، يتبلور مشروع متكامل يجمع بين التوثيق والحماية والتوعية.






