بقلم أسعد سرحال
المدير العام لجمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) وعضو المجلس الدولي لمنظمة بيردلايف الدولية (BirdLife International)
هناك أشخاص يعملون من أجل حماية الطبيعة، وهناك أشخاص يصبحون هم أنفسهم تجسيداً للطبيعة وحمايتها. كانت منى خليل واحدة من هؤلاء الأشخاص النادرين الذين امتزجت حياتهم وروحهم ووجودهم اليومي بالقضية التي كرّسوا أنفسهم لها حتى بات من المستحيل فصلهم عنها.
عرفت منى شخصياً لسنوات طويلة. وخلال رحلتنا المشتركة في مجال الحفاظ على الطبيعة، أقمت مراراً في منزلها البرتقالي الشهير برفقة زملاء من جمعية حماية الطبيعة في لبنان. لم تكن تلك الزيارات مجرد لقاءات اجتماعية، بل كانت ورش عمل حقيقية مليئة بالنقاشات والتخطيط والجدل البنّاء والأحلام والطموحات المتعلقة بمستقبل الساحل اللبناني وحياته البرية.
معاً، وبالتعاون مع بلديتي المنصوري والقليلة، والمجتمعات المحلية، والمجموعات الشبابية، والمتطوعين، والناشطين البيئيين المخلصين، عملنا على إرساء وتعزيز نهج الحمى على امتداد واحد من أهم الشواطئ اللبنانية من الناحية البيئية. يمتد هذا الشريط الساحلي الرملي والصخري لمسافة سبعة كيلومترات، ويحتضن سنوياً أكثر من ثمانية وخمسين عشاً للسلاحف البحرية المهددة بالانقراض، ما يجعله واحداً من أهم مواقع التعشيش في لبنان.
إن نجاح حمى القليلة – المنصوري لم يكن ثمرة جهود المؤسسات وحدها، بل كان ثمرة جهود الناس. وبين هؤلاء الناس، كانت منى واحدة من أقوى الأعمدة التي ارتكز عليها هذا النجاح.
لقد كانت بحق حامية للحمى بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
عملت منى في ظل ظروف تُعد من الأصعب التي يمكن تخيلها في جنوب لبنان. ورغم التحديات السياسية والضغوط الاقتصادية والتهديدات البيئية وصعوبات الحياة اليومية، بقيت ثابتة في التزامها، لا تعرف التراجع ولا المساومة عندما يتعلق الأمر بحماية السلاحف البحرية والحفاظ على موائلها الطبيعية الهشة.
لم تكن حماية الطبيعة بالنسبة لها وظيفة أو مهنة، بل كانت رسالة حياة.
ولم تكن منى شغوفة فقط، بل كانت شجاعة إلى أبعد الحدود. فقد وقفت عاماً بعد عام في الخطوط الأمامية للدفاع عن البيئة، مقدّمة تضحيات شخصية كثيرة لم يكن معظم الناس على علم بها. وكانت عزيمتها مصدر إلهام لكل من عرفها. علّمت أجيالاً من المتطوعين، ورافقت الشباب المهتمين بحماية البيئة، وساهمت في تحفيز المجتمعات المحلية لتتولى بنفسها مسؤولية حماية تراثها الطبيعي.
ولا أزال أبتسم كلما تذكرت كيف كانت تناديني بـ«أبو الحمى»، إلى جانب مجموعة أخرى من الألقاب الطريفة التي ربما من الأفضل أن تبقى طي الكتمان. تعيدني تلك الذكريات إلى الأيام الأولى عندما كنا نعمل مع رئيس البلدية جمال شبلي وحسن خليل من أجل تأمين الدعم المحلي لمفهوم الحمى وتحويله من فكرة إلى واقع. كانت منى حاضرة منذ البداية؛ تسأل وتناقش وتتحدى وتساهم وتدفعنا جميعاً إلى تقديم الأفضل.
كل من عرف منى أدرك سريعاً أنها لم تكن من الأشخاص الذين يسهل كسب جدال معهم.
فعندما كانت تؤمن بفكرة ما، كانت تدافع عنها بكل قوتها. وكان من شبه المستحيل تغيير رأيها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالسلاحف البحرية. بالنسبة لها، لم تكن هذه السلاحف مجرد أولوية بيئية، بل كانت جزءاً من عائلتها. كانت تهتم بكل عش، وكل فرخ صغير، وكل عملية إطلاق ناجحة، وكل خطر يهدد بقاءها. لقد كانت تعتبرها أبناءها.
ومع مرور السنوات، كسبت منى احترام جمعية حماية الطبيعة في لبنان واحترامي الشخصي ليس بالكلمات، بل بالأفعال. فقد أثبتت التزامها عاماً بعد عام من خلال العمل الجاد والمثابرة والتفاني الراسخ تجاه الطبيعة والمجتمع.
اليوم، أصبحت شبكة الحمى حركة وطنية تجمع المجتمعات المحلية في مختلف أنحاء لبنان حول رؤية مشتركة تقوم على الحفظ المستدام للطبيعة والتنمية المستدامة. وستبقى مساهمة منى في هذه المسيرة حاضرة دائماً. فإرثها محفور في الشاطئ الذي ساهمت في حمايته، وفي المجتمعات التي ألهمتها، وفي آلاف المتطوعين الذين تأثروا بعطائها.
لكن ربما يكمن إرثها الأعظم في الشواطئ التي أحبتها أكثر من أي مكان آخر.
ففي كل موسم تعشيش، تعود السلاحف البحرية إلى شواطئ حمى القليلة – المنصوري، تخرج من البحر، وتضع بيضها في الرمال، وتأتمن مستقبل نوعها على الشواطئ ذاتها التي أمضت منى عقوداً وهي تدافع عنها. وعندما تبدأ الأجيال الجديدة من السلاحف الصغيرة رحلتها الأولى نحو البحر الأبيض المتوسط، فإنها ستسلك، دون أن تدري، طرقاً حفظتها وحمتها سنوات طويلة من تفاني منى وإخلاصها.
الله وحده يعلم إن كانت الآثار التي تركتها منى على تلك الرمال ستُعوّض يوماً. والله وحده يعلم إن كانت هناك أيادٍ أخرى ستواصل حراسة تلك الأعشاش بالقدر نفسه من الحب والرقة والإصرار.
فبعض الناس يتركون وراءهم مشاريع.
وبعضهم يتركون مؤسسات.
أما منى، فقد تركت وراءها إرثاً حياً.
تركت شواطئ محمية، ومجتمعات أكثر قوة، ومتطوعين أكثر إلهاماً، وجهوداً بيئية أكثر رسوخاً، وأجيالاً من السلاحف البحرية التي ستواصل إيجاد ملاذ آمن على ساحل لبنان الجنوبي لأنها اختارت أن تكرّس حياتها لحمايتها.
منى، لقد كسبتِ احترامنا وصداقتنا وإعجابنا.
وستبقين دائماً جزءاً عزيزاً من شبكة الحمى، ومن عائلة جمعية حماية الطبيعة في لبنان، ومن قلوب كل من حظي بفرصة العمل إلى جانبك.
لكن ربما لن يفتقدك أحد بقدر ما ستفتقدك سلاحفك البحرية التي أحببتها.
رحم الله روحك الطيبة.
ولتنعمي أخيراً بالسلام الأبدي.






