بقلم أسعد سرحال
المدير العام لجمعية حماية الطبيعة في لبنان
عضو المجلس العالمي لـ BirdLife International
مع عودتي من سمرقند بعد مشاركتي في الدورة الثامنة لجمعية مرفق البيئة العالمية (GEF) والمناقشات الدولية المهمة حول مستقبل العمل البيئي، أشعر بالامتنان لعودتي إلى الوطن، لكنني أشعر أيضاً بحزن عميق وأنا أشهد مجدداً تصاعد أخطار الحرب وحجم الدمار غير المسبوق الذي يطال الإنسان والطبيعة في لبنان والمنطقة.
يعتصر قلبي الألم كلما سمعت عن الدمار الذي يطال قرانا ومجتمعات الحِمى وسبل عيش آلاف العائلات. فتراثنا الطبيعي والثقافي الثمين، الذي بُني وحُمي عبر أجيال متعاقبة، يتعرض للتخريب أو الضياع. ولأي غاية؟ ما زالت المصالح الضيقة والجشع والصراعات تتقدّم على احترام الحياة وعلى حماية النظم البيئية الهشة التي نعتمد عليها جميعاً للبقاء.
وفي سياق هذا التدمير المستمر، تتواصل الكارثة البيئية جنباً إلى جنب مع أشكال أخرى من الانتهاكات التي تطال المجتمعات المحلية وسبل العيش والهوية الثقافية. فقد أدى تدمير المنازل، أو ما يُعرف بـ«إبادة المساكن» (Domicide)، إلى تهجير مئات الآلاف من الأشخاص وتدمير أحياء كاملة. كما أن تدمير المدن والبلدات، أو «إبادة المدن» (Urbicide)، استهدف الأسواق والبنى التحتية والمستشفيات والمساحات العامة التي تشكّل ركائز الحياة المجتمعية.
وفي الوقت نفسه، تتجلى «الإبادة الثقافية» (Ethnocide) من خلال استهداف المواقع الأثرية والمعالم الثقافية ودور العبادة والمباني التراثية، بما يهدد بمحو قرون من التاريخ والذاكرة الجماعية. أما «إبادة التعليم» (Educide)، فقد أصبحت أكثر وضوحاً من خلال تدمير المدارس والمؤسسات التعليمية، ما يقوض حق الأجيال القادمة في التعليم والفرص المستقبلية.
وفي موازاة ذلك، تتواصل «الإبادة البيئية» (Ecocide) بلا هوادة. فقد تعرضت الغابات والأراضي الزراعية والأراضي الرطبة ومناطق التنوع البيولوجي والنظم البيئية الحيوية لأضرار جسيمة، فيما احترقت أو تدهورت آلاف الهكتارات من الأراضي الطبيعية. وتمثل هذه الأشكال المترابطة من التدمير اعتداءً ليس فقط على الطبيعة، بل أيضاً على الكرامة الإنسانية والتراث الثقافي والقدرة المجتمعية على الصمود والأسس التي تقوم عليها الحياة نفسها.
اليوم، أواصل التواصل مع وسائل الإعلام الدولية والخبراء البيئيين والمؤسسات العالمية المعنية بالحفاظ على الطبيعة، بهدف تسليط الضوء على حجم الدمار المقلق الذي يشهده لبنان والمنطقة. فالتداعيات لا تقتصر على المعاناة الإنسانية المباشرة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل المشهد الطبيعي، وتهديد التنوع البيولوجي، وتعطيل النظم البيئية، وتقويض المقومات الطبيعية التي تضمن بقاءنا المشترك.
من القصف الذي طال محيط بحيرة القرعون إلى الأضرار التي لحقت بحمى المنصوري وحمى القليلة، ومن الجبال إلى البحر، تتعرض كنوز لبنان الطبيعية والثقافية لضغوط هائلة. وقد تجاوز عدد النازحين المليون ونصف المليون شخص، فيما لحقت أضرار لا يمكن تعويضها بالأراضي الزراعية والأراضي الرطبة والغابات والأنظمة البيئية البحرية ومناطق التنوع البيولوجي الرئيسية (KBAs) ومناطق الطيور والتنوع البيولوجي المهمة (IBAs)، إضافة إلى مواقع التراث العالمي من بعلبك إلى صور.
إنها ليست مجرد خسائر بيئية، بل خسائر تمس هويتنا وتاريخنا ومجتمعاتنا ومستقبلنا.
إن أفكاري وصلواتي مع كل إنسان في لبنان وخارجه يعاني من هذه المأساة. ومع ذلك، ورغم كل هذا الظلام، ما زلت متمسكاً بالأمل.
فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، عملت جمعية حماية الطبيعة في لبنان وشركاؤها بلا كلل للدفاع عن الطبيعة، ليس من أجل الحياة البرية فحسب، بل من أجل الإنسان أيضاً. وقد نجحنا معاً في بناء حركة تستند إلى نهج الحِمى، وهو نموذج حظي باعتراف عالمي لأنه يثبت أن الحفاظ على الطبيعة وتمكين المجتمعات المحلية وبناء السلام يمكن أن تسير جنباً إلى جنب.
وفي هذه اللحظة الصعبة، أتوجه بنداء إلى جميع أفراد عائلة جمعية حماية الطبيعة في لبنان، وإلى حماة الحِمى والمتطوعين والشركاء والداعمين، بأن يحافظوا على معنوياتهم العالية وأن يواصلوا عملهم النبيل والقيم. لا تخافوا من الشر، فالخير سينتصر دائماً. وستستمر الحياة، وستتعافى الطبيعة إذا بقينا إلى جانبها.
فلنتذكر دائماً إلى أي مدى أوصلتنا جهودنا الجماعية. لقد أصبح نهج الحِمى نموذجاً عالمياً يُحتذى به بفضل تفاني وإيمان أشخاص آمنوا بأن مستقبلاً أفضل ممكن.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى التمسك بهذا الإيمان. فالحِمى ليست مجرد نموذج للحفاظ على الطبيعة، بل هي أيضاً رسالة أمل، ورسالة سلام، ورسالة صمود في وجه الدمار. ومن خلال الحِمى، سنواصل حماية الإنسان والطبيعة معاً، وسنواصل زرع الأمل حتى في أحلك الأوقات.
يمكن اعتماد هذا النص كمقال رأي في الصحف أو كرسالة افتتاحية في موقع SPNL ونشرة “الحِمى”.






