الغوص… رحلة الموت والحياة

أحمد العلي

كانت رحلة الغوص لصيد اللؤلؤ من أصعب وأشقّ وأخطر التجارب التي عاشها أهل البحر. فهي رحلة محفوفة بالمخاطر التي لا تُحصى ولا تُعد، لأن الغواص كان يذهب إلى المجهول، معتمداً على الله ثم على أدوات بدائية لا تتجاوز الحبل والحجر اللذين ينزل بهما إلى قاع البحر. فلم يكن هناك لباس خاص، ولا قارورة أوكسجين، ولا أي من وسائل السلامة المتوافرة اليوم.

قبل نحو ثمانين عاماً، كان من يخرج إلى الغوص يودّع أهله، ويعطي زوجته صداقها، لأنه قد لا يعود. لذلك سُمّيت «رحلة الموت».

كانت السفينة، التي تُسمّى «المحمل»، تنطلق كأنها مدينة متحركة، تحمل ستين شخصاً أو أكثر، جميعهم تحت إمرة النوخذة، أي ربان السفينة وسلطانها. ولم تكن العودة تتم إلا بعد أسابيع أو أشهر. فمن مات على إحدى الجزر دُفن فيها، ومن مات في البحر رُبط بثقل وأُلقي في الماء. أما المشاق والأتعاب والمخاطر، فلا تُحصى.

فالغيص، أي غواص اللؤلؤ، عندما ينزل إلى قاع البحر على عمق قد يصل إلى أربعين متراً، متعلّقاً بحجر يزن ثلاثة أو أربعة كيلوغرامات، لا يدري ما ينتظره في الأعماق: فقد يفاجئه قرش يلتهمه، أو يسقط عليه لوح من سفينة غارقة، أو يواجه أخطاراً أخرى لا يمكن توقعها.

ومن المشكلات الصحية التي كان يعانيها الغواصون الأمراض الجلدية، مثل البهاق والشرى والالتهابات، بسبب الطحالب والأعشاب البحرية السامة التي قد تُصيب الجلد أو الإبط أو المناطق الحساسة. كما كانت بعض الأسماك السامة تُسبب لسعات قد تؤدي إلى الوفاة.

وقد «يسكر» الغيص، أي يفقد وعيه، إذا غفل رفيقه عن إشارة الحبل وتأخر في سحبه إلى السطح، وقد يتوقف قلبه. وكان الرفاق يحاولون إنعاشه، ومن وسائلهم التقليدية تنشيقه البصل، الذي قد يعيد إليه الحيوية إذا كُتبت له النجاة.

ولا تتجاوز مدة الغوصة، التي تُسمّى «التَّبّة»، ثلاث دقائق. وكان الغواص يسد أنفه حتى لا يدخل إليه الماء، ويكفيه النفس للنزول، وجمع المحار، ثم الصعود. وقبل نحو عشرين ثانية من نفاد نفسه، يهز الحبل إشارةً إلى رفيقه على السفينة، الذي يُسمّى «السيب»، فيبدأ هذا بسحبه من القاع.

وكان الصعود يتم بهدوء وبطريقة مدروسة، متكئاً على الحبل، فيما يتدلى كيس المحار من عنقه. وأول ما يقوله عند وصوله إلى السطح: «لا إله إلا الله»، شكراً لله لأنه عاد من المجهول إلى الحياة.

بعد ذلك يُسلَّم المحار لتنظيفه، ويجمع النوخذة اللؤلؤ إلى حين يشتريه «الطوّاش»، وهو تاجر اللؤلؤ الذي يكون على متن السفينة، ليبيعه لاحقاً لتجار اللؤلؤ عند العودة إلى البر.

وكان الطعام نفسه يشكّل تحدياً. فالغيص لا يأكل طوال النهار، بل يغوص على معدة فارغة. يستيقظ قبل الفجر، يصلي، ثم يبدأ العمل مباشرة حتى غروب الشمس، صعوداً ونزولاً. ولا ينال قسطاً من الراحة إلا بعد عشر غوصات، فيما يُعرف بـ «القحمة»، وهي استراحة قصيرة في الماء، يتمسك خلالها بشبكة من الحبال، بينما يناوله السيب تمرة وفنجان قهوة.

أما وجبته الوحيدة فكانت العشاء، وغالباً ما تتكون من السمك وطبق «العويش»، وهو أرز مطبوخ مع دبس التمر أو العسل، ويُسمّى في الإمارات «برنيوش».

وكان الغواص ينام على حصير فوق الأصداف أو الحبال. وإذا أصيب بالتهاب، عالجه بمسحوق ثمار القرط، حيث تُدق الثمار في الهاون، ثم تُجفف تحت الشمس، وتُخلط كل مساء بالماء العذب، ويدهن بها مواضع الالتهاب وآثار حرارة الشمس والمياه المالحة، فيستيقظ معافى ونشيطاً. أما الإصابات الأخطر، فكان بعضها يُعالج بالكي.

وللغوص مواسم وأنواع. فهناك «غوص العود»، وهو الموسم الرئيس، ويدوم نحو 130 يوماً في رحلة واحدة. يبدأ في شهر أيار (مايو)، عندما يأفل نجم الثريا، ويستمر حتى أيلول (سبتمبر)، حيث يهدأ البحر، وتخف العواصف والتيارات، وتدفأ المياه. وكانت سفن صيد اللؤلؤ تخرج من مختلف أنحاء الخليج ضمن أساطيل تضم عشرات السفن.

ويليه «غوص الردّة»، أي رحلة العودة، ولا تتجاوز مدته أربعين يوماً، لأن الشتاء يكون قد اقترب، والبحر بدأ يبرد، والبرد لا يناسب الغواصين.

ثم يأتي «غوص الرديدة»، وهو آخر مواسم الغوص، ولا يدوم أكثر من ثلاثين يوماً، إذ تصبح مياه البحر أكثر برودة.

وهناك أيضاً «غوص القحّة»، ويكون في أعماق لا تتجاوز خمسة عشر متراً، ومن دون استخدام حجر للنزول، حيث يبدأ العمل صباحاً ويعود الغواصون مساءً.

أما «غوص الميانة»، فهو الأسهل، وكانت تمارسه النساء والأطفال لصيد المحار في أعماق لا تتجاوز متراً أو متراً ونصف المتر.

أنا من مواليد عام 1950، ولم أدرك غوص العود، إذ توقف عام 1945 بعد انتشار اللؤلؤ الياباني المستزرع، وظهور النفط.

والحمد لله الذي منّ علينا بهذه القيادة الرشيدة، ورحم الشيخ زايد، الذي أنقذ الشعب الإماراتي من تلك المشقات.

أما اليوم، فلم يعد الغوص يمارس إلا كهواية، أو كحرفة تراثية تُحافظ على ذاكرة الآباء والأجداد.

أحمد العلي
خبير في التراث البحري، ومستشار لدى هيئة أبوظبي للتراث.

مجلة الحمى العدد السابع

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان العدد السابع من مجلة الحِمى، مجددةً التزامها بتعزيز نهج الحماية المجتمعية للطبيعة، وترسيخ مكانة لبنان كدولة رائدة إقليمياً في مجال الحلول القائمة على الطبيعة. ويأتي هذا العدد الجديد في مرحلة مفصلية تتطلب تكثيف الجهود البيئية في لبنان والمنطقة، حيث يجمع بين الرؤى العلمية، والمعارف التقليدية، والخبرات العالمية تحت عنوان جامع هو: «من قمم الجبال إلى الساحل... حِمى تلو الأخرى».

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

SPNL وجامعة الروح القدس – الكسليك تبحثان شراكة استراتيجية...

خطت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) خطوة جديدة نحو تعزيز التكامل بين حماية الطبيعة، وصون التراث...

سفن من التراث

محمد عبدالله الحمادي في الماضي، كان صيد السمك واستخراج محار اللؤلؤ مصدر الدخل الوحيد لمعظم سكان الساحل. وكان...

حياكة الخوص

أم حميد المنصوري عشقتُ الخوص (ورق النخيل) منذ نعومة أظفاري، حين كنت أرى أهلي يعملون به. ثم احترفت...