في خطوة تعبّر عن التزام متزايد بحماية البيئة وإدارة الموارد الطبيعية بصورة مستدامة، أعلنت بلدية العبادية دعمها الرسمي لمبادرة تطوير متنزّه طبيعي وإنشاء محمية محيط حيوي مستقبلية في وادي نهر بيروت والمناطق الطبيعية المحيطة به، وذلك بالتعاون مع جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) وشركائها. ويأتي هذا الموقف البلدي ليعكس وعياً متنامياً لدى المجتمعات المحلية بأهمية حماية هذا الوادي الذي يشكّل أحد أهم النظم البيئية الطبيعية في جبل لبنان.
فالرسالة التي وقّعتها البلدية لا تمثّل مجرد إجراء إداري أو موقف بروتوكولي، بل تعبّر عن رؤية تنموية متكاملة تقوم على التوازن بين حماية الطبيعة وتعزيز التنمية المحلية المستدامة. ويعدّ وادي نهر بيروت من المناطق التي تختزن قيمة بيئية وثقافية واجتماعية كبيرة، إذ يمتد عبر تضاريس متنوعة تضم الغابات والينابيع والأراضي الزراعية التقليدية والقرى الجبلية التي حافظت على علاقتها التاريخية مع الأرض.
وادي نهر بيروت: ثروة طبيعية وثقافية
تؤكد بلدية العبادية في كتابها أن هذه المنطقة تتمتع بقيمة بيئية وثقافية واجتماعية استثنائية، ما يجعل حمايتها وإدارتها المستدامة ضرورة لضمان رفاه الأجيال الحالية والمستقبلية. فالوادي يشكّل موطناً لعدد كبير من الأنواع النباتية والحيوانية، إضافة إلى دوره كممر بيئي يربط بين النظم الطبيعية في جبل لبنان والساحل اللبناني.
كما يحمل الوادي قيمة ثقافية وتاريخية مهمة، حيث تشكّلت عبر قرون طويلة أنماط عيش ريفية مرتبطة بالزراعة التقليدية واستثمار الموارد الطبيعية. ولذلك فإن حماية هذا المشهد الطبيعي تعني أيضاً الحفاظ على التراث الثقافي والذاكرة البيئية للمجتمعات المحلية.
وفي ظل الضغوط المتزايدة الناتجة عن التمدد العمراني والتغير المناخي وتدهور الموارد الطبيعية، تبرز مبادرة إنشاء المتنزه الطبيعي كإطار عملي لحماية هذا الإرث الطبيعي والإنساني.
مقاربة الحِمى: نموذج للحماية المجتمعية
تستند المبادرة إلى مقاربة الحِمى التي أعادت جمعية حماية الطبيعة في لبنان إحياءها كنموذج حديث لإدارة الموارد الطبيعية بمشاركة المجتمعات المحلية. ويعود هذا النظام التقليدي إلى مئات السنين، حيث كانت المجتمعات المحلية تنظّم استخدام الموارد الطبيعية بطريقة تضمن استدامتها.
اليوم، يتم تطوير هذا النموذج ليصبح إطاراً متكاملاً للحفاظ على التنوع البيولوجي وتعزيز دور المجتمعات المحلية في حماية الطبيعة. ومن خلال هذا النهج، لا تُفرض الحماية من الخارج، بل تنبع من داخل المجتمع نفسه عبر مشاركة البلديات والسكان المحليين والجهات المدنية.
وقد أشارت بلدية العبادية إلى أهمية تعزيز دور حماة الحِمى (Homat Al Hima)، أي أبناء المجتمع المحلي الذين يتولّون دور الحراس الطبيعيين للبيئة والتراث الطبيعي في مناطقهم.
مسارات دروب الحِمى والسياحة البيئية
من بين المكونات الأساسية للمبادرة تطوير مسارات دروب الحِمى، وهي مسارات بيئية مخصّصة للمشي والسياحة البيئية تسمح للزوار بالتعرّف على جمال الطبيعة اللبنانية بطريقة مسؤولة ومستدامة.
وتهدف هذه المسارات إلى تعزيز السياحة البيئية التي تحترم الطبيعة وتدعم الاقتصاد المحلي في الوقت نفسه، من خلال تشجيع الأنشطة الريفية مثل الضيافة المنزلية، والمنتجات المحلية، والحرف التقليدية.
وبذلك تتحول الطبيعة من مورد مهدد إلى فرصة تنموية تساهم في خلق فرص عمل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي للمجتمعات الريفية.
التعليم البيئي وإشراك الشباب
تشمل المبادرة أيضاً برامج تعليمية تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي لدى الأجيال الجديدة، ومن أبرزها برنامج المدرسة مع الطبيعة في الهواء الطلق (SNOW) الذي يربط الطلاب مباشرة بالطبيعة من خلال أنشطة تعليمية ميدانية.
فالتعليم البيئي يشكّل حجر الأساس في بناء ثقافة بيئية مستدامة، حيث يتعلم الأطفال والشباب أهمية حماية التنوع البيولوجي وإدارة الموارد الطبيعية بطريقة مسؤولة.
وتسعى هذه البرامج إلى تحويل الطبيعة إلى مساحة تعليمية حيّة تعزز العلاقة بين الإنسان والبيئة.
تمكين المرأة في الاقتصاد الأخضر
أحد الجوانب المهمة التي تؤكد عليها المبادرة هو دعم المبادرات التي تقودها النساء في مجالات الاقتصاد الأخضر والسياحة البيئية والإنتاج المحلي.
فالنساء في المجتمعات الريفية يلعبن دوراً أساسياً في الزراعة التقليدية وإنتاج الأغذية المحلية والحرف اليدوية. ومن خلال دعم هذه المبادرات، يمكن تعزيز الاستقلال الاقتصادي للنساء وخلق فرص جديدة للتنمية المحلية المستدامة.
وبذلك تصبح حماية البيئة مرتبطة أيضاً بالعدالة الاجتماعية وتمكين الفئات المختلفة داخل المجتمع.
تعزيز التعاون بين البلديات والمجتمع المدني
كما شددت بلدية العبادية على أهمية تعزيز التعاون بين البلديات والجهات المحلية ومنظمات المجتمع المدني لضمان إدارة بيئية مستدامة على المدى الطويل.
فإدارة النظم البيئية الواسعة لا يمكن أن تتحقق بجهود جهة واحدة فقط، بل تتطلب شراكات متعددة تجمع بين المؤسسات الرسمية والمجتمعات المحلية والخبرات العلمية والمنظمات البيئية.
ويشكّل هذا التعاون أساساً لبناء نموذج حوكمة بيئية تشاركي يضمن الاستمرارية والفعالية.
نحو نموذج متكامل لإدارة المناظر الطبيعية
ترى بلدية العبادية أن هذه المبادرة يمكن أن تسهم في تعزيز الترابط البيئي بين الموائل الطبيعية في المنطقة، وفي الحفاظ على النظم البيئية الحساسة التي يعتمد عليها التنوع البيولوجي.
كما يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة للتنمية الريفية المستدامة القائمة على الثقافة المحلية والمعرفة التقليدية والمشاركة المجتمعية.
ومن شأن نجاح هذا المشروع أن يجعل المنطقة نموذجاً لإدارة المناظر الطبيعية بصورة متكاملة، بحيث تتكامل حماية البيئة مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
خطوة محلية برؤية وطنية
إن دعم بلدية العبادية لهذه المبادرة يبعث برسالة واضحة مفادها أن حماية البيئة تبدأ من المستوى المحلي. فالبلديات، باعتبارها الأقرب إلى الناس والأرض، قادرة على لعب دور محوري في قيادة التحولات البيئية والتنموية.
ومع تزايد التحديات البيئية التي تواجه لبنان، يصبح التعاون بين البلديات والمجتمع المدني والمؤسسات البيئية ضرورة ملحّة لحماية ما تبقى من الثروات الطبيعية في البلاد.
إن مبادرة المتنزه الطبيعي ومحمية المحيط الحيوي في وادي نهر بيروت تمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، حيث تسعى إلى بناء نموذج تنموي جديد يقوم على احترام الطبيعة وتعزيز دور المجتمعات المحلية في حمايتها.
وفي زمن تتعرض فيه البيئات الطبيعية لضغوط غير مسبوقة، قد تكون مثل هذه المبادرات المحلية هي المفتاح لصياغة مستقبل أكثر استدامة للبنان.






