مواقع التراث العالمي إعادة ربط الطبيعة بالثقافة

 

خلال مؤتمر الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) الذي عُقد في أبوظبي، التقى وفد جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) مع تيم بادمان، رئيس برنامج التراث العالمي في الاتحاد، الذي شرح بالتفصيل متطلبات وإجراءات إدراج مواقع التراث الطبيعي والثقافي العالمي لدى اليونسكو. فأوضح معايير الترشيح، وآليات التقييم، وعملية التعاون بين الاتحاد واليونسكو والسلطات الوطنية لضمان الحماية والإدارة المستدامة للمواقع ذات القيمة العالمية الاستثنائية.

هنا مقتطفات من الحوار.

ما هو دور IUCN في اتفاقية التراث العالمي؟

يضطلع الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) بدور فريد ضمن اتفاقية التراث العالمي، وهي معاهدة دولية ملزمة قانوناً تُرسّخ إطاراً لتحديد وصون المواقع الثقافية والطبيعية ذات “القيمة العالمية الاستثنائية”. وقد ساهم الاتحاد في وضع الاتفاقية التي سرى مفعولها عام 1972 وهي اليوم الهيئة الاستشارية القانونية في جميع المسائل المتعلقة بالتراث الطبيعي.

عملياً، يُقيّم الاتحاد المواقع المرشحة بناءً على قيمتها الطبيعية، ويُقدّم المشورة الفنية لليونسكو. وتتخذ لجنة التراث العالمي القرارات النهائية بشأن إدراج المواقع، إلا أن تقييمات الاتحاد تُسهم في توجيه هذه القرارات.

وتعمل هيئتان استشاريتان أخريان جنباً إلى جنب مع الاتحاد لدعم اليونسكو في تنفيذ الاتفاقية وحماية أهم مواقع التراث في العالم. فيركز المجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS) على التراث الثقافي، بينما يركز المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية (ICCROM) على بناء القدرات والتدريب والبحث وصون التراث الثقافي.

هل كان الهدف من الاتفاقية دائماً الربط بين الطبيعة والثقافة؟

نعم. من أبرز جوانب اتفاقية التراث العالمي أنها صُممت منذ البداية لحماية التراث الثقافي والطبيعي معاً ضمن إطار دولي واحد. ولكن، مع الوقت، غالباً ما تمت مقاربة البُعدين بشكل منفصل. فكان التراث الطبيعي يُقيَّم من قِبل علماء الطبيعة، بينما كان التراث الثقافي يُقيَّم من قِبل علماء الآثار والمؤرخين.

وخلال العقد الماضي، بُذلت جهود متجددة لإعادة ربط هذين المنظورين وتعزيز فهم أكثر تكاملاً للتراث يعكس الروابط بين المناظر الطبيعية والنظم البيئية والمجتمعات البشرية.

ما الذي يُميز اتفاقية التراث العالمي؟

خلافاً للعديد من الاتفاقيات الدولية التي تعمل بشكل أساسي على مستوى السياسات، تُركز اتفاقية التراث العالمي على مواقع محددة. فتُرشح الدول مواقع تعتبرها ذات قيمة عالمية استثنائية، ويتم تقييم هذه المواقع، قبل أن تتخذ لجنة التراث العالمي قراراً بشأنها.

تندرج مواقع التراث العالمي ضمن عدة فئات. بعضها مُصنّف في المقام الأول لأهميته الطبيعية، مثل التنوع البيولوجي أو السمات الجيولوجية. والبعض مُدرج بشكل أساسي لأهميته الثقافية. وهناك أيضاً “مواقع مختلطة” تجمع بين القيم الطبيعية والثقافية. وهنالك “مناظر طبيعية ثقافية” حيث يُعد التفاعل بين الإنسان والطبيعة عبر الزمن أساساً لأهمية الموقع. وغالباً ما تُظهر هذه المناظر الطبيعية كيف شكلت المجتمعات بيئاتها من خلال المعارف التقليدية والممارسات المستدامة.

لماذا أصبحت إعادة ربط الطبيعة بالثقافة قضية بالغة الأهمية؟

حصلت نقطة تحول رئيسية عندما بدأت الشعوب الأصلية تسعى للاعتراف بأراضيها ضمن نظام التراث العالمي. وقد أثار هذا الأمر تساؤلات هامة حول كيفية تقييم مواقع التراث. فعندما كان يتم درس القيم الطبيعية بمعزل عن القيم الثقافية، كان التقييم يفشل غالباً في إدراك الطابع الحقيقي للعديد من المناظر الطبيعية.

في كثير من الثقافات، لا ينظر الناس إلى أنفسهم بمعزل عن الطبيعة. فمعيشتهم وتقاليدهم وهوياتهم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظم البيئية التي يعيشون فيها. ولذلك، فإن التعامل مع الطبيعة والثقافة كمجالين منفصلين قد يُغفل العلاقات التي تُحدد هذه الأماكن.

ونتيجة لذلك، يتجه فكر حماية الطبيعة بشكل متزايد نحو مناهج تُقر بالروابط بين النظم البيئية والتقاليد الثقافية والرعاية المجتمعية.

كيف يرتبط مفهوم الحِمى بهذا النهج؟

يُقدم مفهوم الحِمى مثالاً هاماً على كيفية فهم المجتمعات للعلاقة بين الإنسان والطبيعة والرعاية.

الحمى نظام تقليدي للحفاظ على الطبيعة قائم على المجتمع، وكان شائعاً في أجزاء من المنطقة العربية. وهو يعكس ممارسة عريقة حيث المجتمعات تُدير الأرض والموارد الطبيعية بشكل جماعي من خلال قواعد متفق عليها ومسؤولية مشتركة.

أهمية مفهوم الحِمى اليوم أنه لا يفصل بين الإدارة البيئية والقيم الثقافية والاجتماعية، بل يُقرّ بأن النظم البيئية السليمة تعتمد على الحوكمة المجتمعية والتقاليد الثقافية والاستخدام المسؤول للموارد. وبهذا، يُمثّل نهجاً شمولياً للحماية لا ينفصل فيه الإنسان والثقافة والطبيعة.

كيف يتكيف نظام التراث العالمي مع هذه الأفكار؟

شهدت السنوات الأخيرة عدة تطورات هامة، تمثلت إحداها في استحداث عملية تقييم أولية للترشيحات الجديدة، بحيث يتمكّن خبراء التراث الطبيعي والثقافي من مراجعة المواقع المحتملة معاً في مرحلة مبكرة. في السابق، كما ذكرنا، كان يتم تقييم الطبيعة والثقافة بشكل منفصل في أغلب الأحيان.

كما ازداد التفاعل مع الشعوب الأصلية. ويوفر “المنتدى الدولي للشعوب الأصلية المعني بالتراث العالمي”، الذي تأسس عام 2018، منصةً لأصوات هذه الشعوب ضمن الاتفاقية.

في الوقت نفسه، يتزايد التركيز على العمل المباشر مع مديري المواقع وأصحاب المصلحة المحليين. فبدلاً من الاعتماد حصراً على الخبراء الدوليين، يسعى النظام الآن إلى الاستجابة بشكل أدق لاحتياجات وواقع القائمين على إدارة مواقع التراث.

كذلك تحسن التعاون بين الهيئات الاستشارية بشكل ملحوظ. وباتت المنظمات العاملة في مجال الطبيعة وتلك العاملة في مجال الثقافة تتعاون اليوم بشكل أوثق بكثير مما كانت تفعل قبل 15 عاماً.

هل هناك مبادرات دولية أخرى تروج لأفكار مماثلة؟

نعم. تُقرّ العديد من المبادرات الدولية اليوم بالترابط الوثيق بين الحفاظ على الطبيعة والتراث الثقافي. وتُروّج محميات المحيط الحيوي التابعة لليونسكو للمواقع الطبيعية التي تتكامل فيها جهود الحفاظ على الطبيعة مع التنمية المستدامة. كذلك، تربط المنتزهات الجيولوجية التابعة لليونسكو أيضاً بين التراث الجيولوجي والثقافة ومشاركة المجتمعات المحلية. وتُبرز اتفاقية رامسار الأهمية البيئية والثقافية للأراضي الرطبة.

من جهة أخرى، تشجع “القائمة الخضراء” للمناطق المحمية لدى IUCN على تطبيق معايير عالية في الحفاظ على الطبيعة، مع إدراك أهمية القيم الثقافية ومشاركة المجتمعات المحلية.

إضافة إلى ذلك، يُقرّ برنامج “أنظمة التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية” في منظمة الأغذية والزراعة (FAO) بأنظمة الزراعة التقليدية التي تُحافظ على التنوع البيولوجي مع صون المعارف الثقافية.

هذه المبادرات مجتمعةً تعكس فهماً متزايداً لضرورة أن يُراعي الحفاظ على الطبيعة البُعدين البيئي والثقافي.

كم تستغرق عملية ترشيح موقع للتراث العالمي؟

يستغرق ترشيح موقع لقائمة التراث العالمي عدة سنوات عادةً، ويتطلب إعداداً دقيقاً.

تبدأ الخطوة الأولى على المستوى الوطني، عندما تُدرج دولة ما موقعاً على قائمتها الموقّتة، مما يُشير إلى إمكانية ترشيحه مستقبلاً. وبمجرد إدراج الموقع في هذه القائمة، يخضع لتقييم أولي يستغرق عادةً نحو سنة. هذه المرحلة تُمكّن الهيئات الاستشارية من تقديم ملاحظات مبكرة حول مدى استيفاء الموقع لمعايير التراث العالمي. فإذا كانت التوقعات إيجابية، تُعدّ الدولة ملف ترشيح كاملاً مدعوماً بالبحوث والمشاورات وخطط الإدارة.

بعد تقديم الملف إلى اليونسكو، تستغرق عملية التقييم واتخاذ القرار حوالى 18 شهراً.

نظرياً، قد تستغرق العملية برمتها من ثلاث إلى أربع سنوات، ولكن عملياً، يستغرق العديد من الترشيحات وقتاً أطول. فإعداد ملف ترشيح قوي يتطلب وقتاً لبناء أدلة علمية، وكسب دعم المجتمع، وتطوير أنظمة إدارة فعّالة.

أسعد سرحال وراغدة حداد يحاوران تيم بادمان خلال المؤتمر
أسعد سرحال وراغدة حداد يحاوران تيم بادمان خلال المؤتمر

ما هي فرص ترشيح مواقع للتراث العالمي في المنطقة العربية؟

تزخر المنطقة العربية بمناظر ثقافية خلابة، ومواقع تاريخية، وأنظمة بيئية طبيعية. ومع ذلك لم يُرشّح إلا عدد قليل نسبياً من مواقع التراث الطبيعي في المنطقة لنيل صفة التراث العالمي. ويُمثّل هذا تحدياً وفرصة في آنٍ واحد.

يعمل الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، من خلال مكتبه الإقليمي في عمّان، على تعزيز التعاون مع اتفاقية التراث العالمي في جميع الدول العربية، لا سيما من خلال العمل على المناطق المحمية. ويُعدّ التعاون الوثيق مع المؤسسات والخبراء المحليين أمراً بالغ الأهمية، إذ تكون جهود الحماية أكثر فعالية عندما تعكس المعارف المحلية والتقاليد الثقافية وعلاقات المجتمعات بالأرض.

لهذا السبب، من المهم جداً وجود كوادر تعمل مباشرة في المنطقة، أي أشخاص يفهمون الثقافة المحلية ويتحدثون اللغة. فهذا يُساعد على ربط مبادرات الحماية الدولية بالواقع.

ما الرسالة التي يحملها هذا لمستقبل الحماية؟

يكمن الدرس الأساسي في عدم النظر إلى التراث على أنه اختيار بين الطبيعة والثقافة. فكل مشهد طبيعي يعكس مزيجاً من النظم البيئية والتاريخ والتقاليد الثقافية وقيم المجتمع. ويختبر الناس هذه العناصر كجزء من نظام حيوي واحد.

تُذكّرنا مفاهيم مثل “الحِمى” بأن هذا المنظور المتكامل موجود منذ القدم في العديد من الثقافات. ومن خلال إدراك هذه الروابط بشكل أوضح، تستطيع اتفاقية التراث العالمي تعزيز مناهج أكثر شمولية واستدامة لحماية أثمن المناظر الطبيعية في العالم.

إن وضع الإنسان والطبيعة والثقافة في صميم جهود الحفاظ على البيئة هو من أهم الخطوات التي يمكننا اتخاذها من أجل مستقبل تراثنا وكوكبنا.

أهمية مفهوم الحِمى اليوم أنه لا يفصل بين الإدارة البيئية والقيم الثقافية والاجتماعية، بل يُقرّ بأن النظم البيئية السليمة تعتمد على الحوكمة المجتمعية والتقاليد الثقافية والاستخدام المسؤول للموارد. وبهذا، يُمثّل نهجاً شمولياً للحماية لا ينفصل فيه الإنسان والثقافة والطبيعة.

Al Hima Magazine 7h Issue

The Society for the Protection of Nature in Lebanon, SPNL, has officially released the seventh issue of Al Hima magazine, reaffirming its commitment to advancing community-led conservation and positioning Lebanon as a regional leader in nature-based solutions.
This latest edition comes at a critical moment for environmental action in Lebanon and the wider region, bringing together scientific insight, traditional knowledge, and global perspectives under the unifying theme: “From Ridge to Coast, One Hima at a Time.”

Read Previous issues

spot_img
spot_img

More like this

حُماةُ الحِمى قلبُ الحِمى

أندريه بشارة حُماة الحِمى ليسوا عنصراً هامشياً في نظام الحِمى، بل هم جوهره الحيّ. فمن دونهم يبقى الحِمى...

شرايين الحياة بين الطبيعة والتراث والإنسان في القرى اللبنانية...

  حمادة ملاعب في قلب الطبيعة اللبنانية، حيث تلتقي الجبال بالوديان وتتناغم الأرض مع تاريخ البشر، تبرز "دروب الحِمى"...

يوم في حياة نحال

شهادة شاب تدرّب على النحالة فوجد فيها متعة ورزقاً ورسالة بالحفاظ على التنوع البيولوجي   نضال بو فخرالدين منذ...