أندريه بشارة
حُماة الحِمى ليسوا عنصراً هامشياً في نظام الحِمى، بل هم جوهره الحيّ. فمن دونهم يبقى الحِمى مجرد مفهوم قانوني أو ذكرى تاريخية. أما بوجودهم فيصبح نموذجاً فاعلاً ومرناً وراسخاً لإدارة مجتمعية مستدامة.
يتمثل الدور الأساسي لحماة الحِمى في صون موارده الطبيعية والثقافية. ويتجاوز ذلك مجرد المراقبة أو الإنفاذ، إذ يعملون كأوصياء على الأرض والمياه والتنوع البيولوجي والممارسات التقليدية، ضامنين استخدامها بشكل متوازن وعادل ومستدام. ويراقبون الرعي والحصاد والأحداث الموسمية، مستندين إلى المعارف المتوارثة وأدوات الحفظ الحديثة.
الأهم من ذلك أن حُماة الحِمى لا يحمون النظم البيئية فحسب، بل أيضاً الإطار الأخلاقي للحِمى: المسؤولية، وضبط النفس، والعدالة بين الأجيال. يضمن وجودهم احترام القواعد والأصول، لأنها مفهومة ومقبولة محلياً ومعترف بها اجتماعياً، وليست مفروضة من الخارج.
صون طبيعة القرية
حُماة الحِمى هم حلقة الوصل بين صون الطبيعة والحياة القروية. يرسّخون الحوكمة البيئية في النسيج الاجتماعي، بحيث يُنظر إلى الحِمى لا كقيد، بل كمورد مشترك يعود بالنفع على الجميع.
من خلال إشراك المزارعين والرعاة والنساء والشباب، وحتى الصيادين، يُترجم حُماة الحِمى الأهداف المجردة لصون الطبيعة إلى ممارسات يومية. فهم يُساعدون المجتمع ليدرك مثلاً كيف أن حماية النبع تؤمّن المياه للعائلات، وكيف تضمن إدارة الرعي سُبل العيش، وكيف يُحافظ صون المناظر الطبيعية على هوية القرية وسمعتها.
وإذ يقومون بهذا الدور، فإنهم يُحوّلون القرية من مُستفيد سلبي إلى راعٍ فاعل، ما يُعزز الفخر المحلي والتماسك المجتمعي.
تعزيز الهوية والانتماء
حُماة الحِمى هم أيضاً سفراء. فمن خلال تنظيم أنشطة توعوية وفعاليات بيئية وثقافية وجولات إرشادية وبرامج تعليمية، يُبرزون قريتهم كموقع للتراث والمسؤولية والابتكار المتجذر في التقاليد. هذه المكانة تجذب الزوار والباحثين والشركاء، مما يُساهم في التنمية المحلية المستدامة دون المساس بالقيم.
بذلك يُساعد حماة الحِمى في إعادة تعريف القرى لا كمساحات ريفية هامشية، بل كمراكز للريادة البيئية والاستمرارية الثقافية. تُصبح القرية معروفة ليس فقط بموقعها الجغرافي، بل بالتزامها حماية الطبيعة.
ولعلّ دورهم الأبرز يكمن في تنمية الشعور بالانتماء. فهم يُعيدون ربط الناس – وخاصة الشباب – بأرضهم وتاريخهم ومسؤوليتهم الجماعية. ومن خلال إشراك الأجيال الشابة في مهمات الرصد ورواية القصص وصنع القرار، يُحوّلون حماية البيئة إلى تجربة معيشية لا مجرد التزام نظري.
هذه العملية تُرسّخ الشعور بالتجذّر، أي الارتباط العاطفي والأخلاقي العميق بالمكان. فالناس يحمون ما يشعرون بأنهم جزء منه. وحُماة الحِمى يجعلون الحِمى مصدراً للهوية والكرامة والاستمرارية، يربط بين الأجداد والمجتمع الحالي والأجيال القادمة.
حُماة الحِمى هم المحرك الحي لنظام الحِمى، يُفعّلون المبادئ العتيقة بالعمل المجتمعي العصري، ويضمنون شرعية الحمى واستمراريته ومرونته. وحيثما يكونون أقوياء يزدهر الحِمى، ليس فقط كنموذج لحماية الطبيعة، بل كأسلوب حياة.
تبدأ حماية الحِمى بتمكين حُماة الحِمى، إذ عندما يكونون متجذرين في أرضهم ومجتمعهم تصبح الحماية طبيعية ومستدامة ودائمة.
“مدرسة بلا جدران” (SNOW)

أطلقت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) حركة تربوية بيئية رائدة تُعيد التعلّم إلى أقوى فصوله الدراسية: الطبيعة نفسها. فمن خلال برنامج (SNOW) تتحول الغابات والأنهار والمزارع والمناظر الطبيعية إلى مختبرات مفتوحة، حيث يعيد الأطفال والشباب اكتشاف صلتهم بالأرض، وينمون ليصبحوا حُماة الحِمى.
برنامج “مدرسة بلا جدران” ليس مجرد منهج تعليمي، بل هو دعوة وطنية إلى المدارس والبلديات والوزارات لتتجاوز حدود الفصول الدراسية وتنضم إلى مهمة مشتركة، لتربية جيل يحمي التنوع البيولوجي ويُقدّر التراث الطبيعي ويقود جهود حماية مناظر لبنان الطبيعية. ومن خلال تمكين الشباب بالمعرفة والمسؤولية والتجربة المباشرة في الطبيعة، يغرس البرنامج بذور مجتمع متماسك يزدهر فيه الناس والنظم البيئية معاً.
أندريه بشارة مدير برنامج “حُماة الحمى” والسياحة البيئية والتنمية الريفية في جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)






