الحِمى ملاذ الطير ومثال الاستدامة

ابراهيم خضر

تعرفتُ على نهج الحِمى قبل نحو عشرين عاماً، حين تعاونَت BirdLife International مع جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) لإطلاق أول مشروع حِمى في قرية إبل السقي الجنوبية. من المثير للإعجاب حقاً، بل من المُلهم، أن نشهد الإقبال الوطني الكبير على هذا النهج، وتطويره ليشمل برامج تنفيذية مثل “حُماة الحمى”، و”سوق الحمى”، و”مزارع الحمى”، و”مدارس بلا جدران”، و”دروب الحمى”، و”حِمى من أجل السلام”، وإنشاء 44 حمى حتى الآن.

تُعدّ بيردلايف إنترناشونال أكبر وأقدم شراكة دولية لمنظمات المجتمع المدني المعنية بحماية الطبيعة. نحن عائلة عالمية تضم 124 شريكاً وطنياً من جميع القارات، وكانت جمعية حماية الطبيعة في لبنان من أوائل الشركاء في منطقة الشرق الأوسط.

تسعى بيردلايف جاهدةً لضمان مستقبل مستدام لجميع أنواع الطيور، وتُعتبر المرجع العالمي في شؤونها وجهود حمايتها. ولتحقيق ذلك، تُحدد المواقع الرئيسية للطيور والتنوع البيولوجي وتحرص على حمايتها وصيانتها وربطها عبر مسارات الهجرة. ولا يقتصر عملها على الأنواع والمواقع، بل يتجاوز ذلك لمعالجة الأسباب الجذرية لخسارة التنوع البيولوجي وتغير المناخ، والتحول نحو عالم صديق للبيئة وخالٍ من الكربون.

لكننا لا نستطيع تحقيق ذلك بمفردنا. شراكتنا قادرة على حشد المجتمع بأسره معنا. وبالتالي، نؤثر على قرارات الحكومات والسلطات المحلية والوطنية والإقليمية، ونعمل مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ونتعاون مع القطاع الخاص، من أجل اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً واستدامة. ونذهب أبعد من ذلك لنحشد عامة الناس والشباب، وندعم المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية ونتعلم منها ونتبادل معها الخبرات، ونساهم في بناء مجتمع عادل ومنصف وقائم على الحقوق، حيث الطبيعة أساس لرفاهيتنا وعيشنا الكريم.

بالنسبة إلينا في بيردلايف، يُمثّل نهج الحِمى، الذي يُعدّ من أقدم نماذج المناطق المحمية، خير مثالٍ على كل ذلك. إنه نظام تقليدي لحيازة الموارد نشأ في المنطقة العربية قبل أكثر من 15 قرناً. وضمن نطاق الحِمى، تبنّت المجتمعات المحلية مبادئ “الاستدامة” لحماية مواردها وتأمين سبل عيشها، معززة قدرتها على الصمود في وجه الظروف المناخية القاسية ولا سيما في شبه الجزيرة العربية. هذا النهج المجتمعي لحماية البيئة عزّز التعايش بين الإنسان والطبيعة.

إن القدرة على التكيّف في نهج الحمى، من خلال البرامج التنفيذية المختلفة (مثل “حُماة الحمى” و”مدارس بلا جدران” و”حِمى من أجل السلام” وغيرها)، تتيح بناء قدرات المجتمعات المحلية وتمكين الفئات المهمشة واعتماد سياسات لتعزيز الحكم المحلي. ويساعد هذا النهج على تحسين وضع الأنواع الحية المهددة بالانقراض عالمياً، والحفاظ على الموائل الطبيعية واستعادتها، وخلق وظائف خضراء محلية، وبناء القدرة على التكيف مع تغير المناخ. كما يساهم في إرساء السلام والمصالحة عبر المجتمعات المتجاورة.

ابراهيم خضر، المدير الإقليمي لمنظمة BirdLife International في منطقة الشرق الأوسط

 

مجلة الحمى العدد السابع

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان العدد السابع من مجلة الحِمى، مجددةً التزامها بتعزيز نهج الحماية المجتمعية للطبيعة، وترسيخ مكانة لبنان كدولة رائدة إقليمياً في مجال الحلول القائمة على الطبيعة. ويأتي هذا العدد الجديد في مرحلة مفصلية تتطلب تكثيف الجهود البيئية في لبنان والمنطقة، حيث يجمع بين الرؤى العلمية، والمعارف التقليدية، والخبرات العالمية تحت عنوان جامع هو: «من قمم الجبال إلى الساحل... حِمى تلو الأخرى».

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

SPNL وجامعة الروح القدس – الكسليك تبحثان شراكة استراتيجية...

خطت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) خطوة جديدة نحو تعزيز التكامل بين حماية الطبيعة، وصون التراث...

سفن من التراث

محمد عبدالله الحمادي في الماضي، كان صيد السمك واستخراج محار اللؤلؤ مصدر الدخل الوحيد لمعظم سكان الساحل. وكان...

حياكة الخوص

أم حميد المنصوري عشقتُ الخوص (ورق النخيل) منذ نعومة أظفاري، حين كنت أرى أهلي يعملون به. ثم احترفت...