عندما عاد المصور والمصمم الإماراتي حسين الموسوي إلى بلاده عام 2013 بعد ثماني سنوات قضاها في الخارج، وجد مدينته التي نشأ فيها قد تغيرت بفعل التطور السريع. وبدلاً من ناطحات السحاب التي باتت تطغى على مشهدها، انجذب إلى مبانٍ منسية من سبعينات وثمانينات القرن الماضي شكلت ذكرياته. وقد ألهمه ذلك مشروع حياته بتوثيق واجهات هذه المباني، مُبرزاً التناسق والتأثيرات الثقافية والهوية المعمارية “الهجينة” التي تمزج بين التقاليد والحداثة والتكيف مع المناخ

لا يصف حسين الموسوي نفسه بأنه مجرد مصور. ففي أعماله يتقاطع التصميم والتوثيق وسرد القصص بدافعٍ ملحّ: لماذا تبدو الأشياء كما هي؟
ترسَّخ هذا الفضول خلال سنوات دراسته في كلية كوينزلاند للفنون في بريسبين، أوستراليا ، حيث أدرك أن التصميم موجود في كل مكان. يقول: “كل شيء حولك مصمَّم، حيث اتخذ الأفراد قرارات متعددة ليظهر كل شيء على ما هو عليه”.

عندما انتقل حسين إلى ملبورن عام 2009، نضجت رؤيته هذه. أصبح النسيج الحضري الكثيف في تلك المدينة، حيث يسهل المشي، بمثابة صفّه الدراسي غير المنهجي الذي يندمج فيه التصوير والتصميم في هدف واحد. وبدلاً من البحث عن المعالم البارزة، ركّز على الأنماط الحضرية غير الملحوظة، مثل صنابير إطفاء الحرائق، واللافتات، والبنية التحتية للشوارع، وهي عناصر يمر بها الناس يومياً دون أن ينتبهوا إليها. يقول: “إنها تلك الأشياء التي لا يفكر فيها الناس أو يعتبرونها من المسلّمات، لكنها تكشف مجتمعةً عن الهوية البصرية للمدينة”.
على مدى أربع سنوات، ساعده هذا النهج في تحديد بصمته الإبداعية وصوته الخاص. وعند عودته إلى الإمارات العربية المتحدة عام 2013 رافقه الفضول نفسه. فالبيئة المعمارية المتنوعة في البلاد، التي تشكلت بفعل النمو السريع والهجرة والطموح، وفرت له أرضاً خصبة. ولأنه لم يكن متأكداً من كيفية مقاربة العمارة بشكل مباشر، بدأ بعناصر عادية كالأسوار المحيطة بالمباني. وتدريجياً، انجذب نحو المباني المُحدثة التي شُيدت بعد توحيد الإمارات عام 1971. هذه المباني، التي قلّما ينتبه إليها الناس اليوم، تعكس حقبةً كانت فيها العمارة تجريبية وأكثر تعبيراً.

أبنية تروي قصة
بحلول عام 2017، أصبح التناسق والتماثل أداة بصرية مكّنت حسين من تفحّص المباني في أنحاء البلاد. تطور ذلك إلى مشروعه “سعي بين الواجهات” (Façade to Façade) الذي يوثّق العمارة لا كرموز معزولة، بل كجزء من سردية حضرية. يقول: “إن سعيي لفهم سبب أشكال الواجهات ومظاهر الحياة الحضرية هو الآن في ذروته، ولكن التناسق أصبح مجرد نقطة انطلاق”.
لا يزال اختيار حسين للمباني قائماً على الحدس والبديهة. فبعدما كان يبحث عن مبانٍ “بطَلة” ذات سمات مميزة، سرعان ما أدرك أن عددها محدود. يوضح قائلاً: “أصوّر اليوم أبنية لا تُفصح عن الكثير بمفردها، لكنها تروي قصة عند رؤيتها مجتمعة”. وهو يُنظّم أرشيفه حسب المدينة وارتفاع المبنى، مُوازناً بين المنطق الجمالي وإمكانات البحث المستقبلية.
يستند هذا العمل أيضاً إلى وعي بيئي عميق، وإن كان غير تقليدي. فشغف حسين بالبيئة ليس رومانسياً بقدر ما هو عملي، يدفعه ما يسميه “غريزة البقاء”. وهو يدعو إلى الاستدامة الحقيقية حيث التوازن بين الاقتصاد والبيئة والمجتمع. وتركيزه على الهندسة المعمارية يعكس هذا الاعتقاد. فمن خلال توثيق المساحات والهويات التي صنعها الإنسان وباتت معرضة لخطر الزوال، يتساءل عن كيفية تشكيل البشر لبيئاتهم وسكنهم فيها.
هذا الاعتقاد يفسر ندرة تصويره للطبيعة، حتى عندما يكون منغمساً فيها. فبالنسبة إليه، يحمل تصوير المناظر الطبيعية مسؤولية تتجاوز الجماليات بكثير، إذ يتطلب خبرة معيشية وفهماً للجيولوجيا والنظم البيئية والكائنات الحية التي تسكنها. عندها فقط تصبح الصورة شكلاً من أشكال المعرفة. أما العمارة فهي من صنع الإنسان، معقدة لكنها أكثر وضوحاً، وتوفر وسيلة أنقى لاستكشاف الهوية والذاكرة والاستدامة.

ويدفعه تفكيره في الاستدامة إلى تقدير نهج “الحِمى”، ذاك النظام التقليدي لإدارة الأراضي والموارد القائم على المجتمع والذي تعمل جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) على إعادة إحيائه في المنطقة العربية. ويُعجبه بشكل خاص ما ينطوي عليه من تبادل المعارف في العمل: شبكة من الحلول الصغيرة المترابطة التي تُحدث مجتمعةً تغييراً مؤثراً. إنه يرى في نهج الحِمى، المتجذر في شبه الجزيرة العربية والقابل للتكيف مع الأطر المعاصرة لصون البيئة، ما يجسد الفخر الثقافي والحكمة العملية.
يقول حسين: “كلما سمعتُ عن الحِمى ترتسم ابتسامة على وجهي. إنه يُلامس المعنى الحقيقي للاستدامة، إذ يضع الإنسان في صميم الطبيعة لا على هامشها، ويعزز حس المسؤولية من خلال المشاركة. ولتطبيقه تأثير بالغ في بلد مثل لبنان، حيث برنامج “حِمى من أجل السلام” يعزز التماسك الاجتماعي ويساهم في حل النزاعات”.

أرشيف حي
يتطلب جزء كبير من عمل حسين التمهّل. لا مفر من السيارة في الإمارات، لكنه يصرّ على أن المشي ضروري لفهم المدينة. يقول: “إن مسح المناطق سيراً على الأقدام، شارعاً شارعاً، أمر بالغ الأهمية لتحديد العناصر الدقيقة للمدينة والتفاصيل التي تكشف إيقاعها وطابعها”. لقد علّمته ملبورن قيمة المشي المقصود، رغم إدراكه الواقع المناخي والثقافي المختلف لمدن الخليج.
يتصور حسين أرشيفه المتنامي من الصور كمنصة حية لا كمجموعة مغلقة. ويأمل أن يضيف السكان والباحثون والمهندسون المعماريون طبقات من الذاكرة – قصصاً وصوراً وتجارب معيشية – مما يجعل كل واجهة نقطة اكتشاف. ومع ندرة السجلات الرسمية للمباني القديمة، يؤمن بضرورة الحفاظ عليها من خلال الصور.
نصيحته للمصورين بسيطة: انتبه، تجوّل، قاوم الأنماط الرائجة. يقول: “لاكتشاف الجمال الخفي، لا بد من الانتباه. عندئذٍ يتكلم المألوف، وتكشف المدن عن نفسها رويداً رويداً”.
استكشاف أماكن التعايش في الإمارات: رحلة معمارية
أصدرت وزارة الثقافة وتنمية المعرفة كتاب “استكشاف أماكن التعايش في الامارات: رحلة معمارية” ضمن فعاليات “عام التسامح 2019”. يُقدّم الكتاب، الذي يضمّ صوراً فوتوغرافية رائعة للمصور حسين الموسوي، سرداً روائياً موثقاً للتراث المعماري في الدولة، ويتناول أماكن العبادة ومساحات التلاقي المجتمعي، وكيف يمكن للمجتمعات أن تؤثر في هويتها المعمارية، وفي المقابل كيف لتلك المساحات أن تؤثر في النسيج المجتمعي المحيط بها.
أجرت مجلة “الحِمى” مقابلة مع الموسوي لمعرفة المزيد:

كيف تُوجز هذا الكتاب؟
إنه رحلة اجتماعية ومعمارية عبر مجموعة مختارة من أماكن العبادة والمساحات المجتمعية في دولة الإمارات، تعكس التنوع الثقافي الغني للبلاد عبر حقبات مختلفة. وهو يتضمن أربعين موقعاً تمثل طيفاً واسعاً من الأديان والأنماط المعمارية والمعالم الاجتماعية المتميزة.
عند تناول مفهوم “التعايش” في السياق المعماري، ما هي مبادئ التصميم والعناصر الأكثر فعالية في تعزيزه؟
في هذا الكتاب، يشير التعايش بشكل عام إلى المساحات المختلفة والمجتمعات التي تسكنها وتعيش في سلام ووئام. في بعض الحالات تكون دور العبادة متجاورة، كما في المجمّعات الكنسية. وهناك مواقع أخرى تعكس التناغم الحضري التاريخي بين الأديان. ومن أبرز الأمثلة على ذلك المعبد الهندوسي في برّ دبي الذي يعود تاريخه إلى عام 1958، داخل السوق القديم بجوار مسجد الجمعة. السوق هو الذي جمع الناس معاً، مما أتاح لهذه الأماكن الدينية الاندماج بسلاسة في الحياة اليومية. ومع مرور الزمن، انتقل العديد من دور العبادة إلى ضواحي المدينة لاستيعاب أعداد أكبر من المصلّين وتوفير مرافق إضافية. ولكن أن تخرج من مسجد الجمعة وتدخل مباشرة إلى حرم المعبد – دون أن تنتبه إلى ذلك لاندماجه في السوق – يبقى ذلك من أروع الأمثلة التي رأيتها على التعايش الحضري. هذا التداخل المكاني يشجع الناس من مختلف الثقافات على التفاعل في حياتهم اليومية، مما يعزز التعايش الواعي واللاواعي.

أي مشروع تعتبره نموذجاً يحتذى به في الاندماج؟
من أبرز الأمثلة الحديثة “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي. فبخلاف السوق في دبي، يقع هذا المشروع ضمن حي ثقافي. وفيه مسجد وكنيسة وكنيس في مجمّع واحد، مما يتيح للمصلين والزوار والسكان أن يعيشوا انسجاماً عميقاً. كل واحد من دور العبادة هذه يعمل بشكل كامل ومستقل، لكن الروابط الذهنية والمادية بينها تولّد تجربة روحية سامية لا يشعر بها المرء في أشكال أخرى من العمارة الروحية.







