عقد مكتب اليونسكو الإقليمي في بيروت، بالشراكة مع جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)، اجتماعاً إقليمياً رفيع المستوى لبحث سبل تطبيق نهج الحِمى ضمن محميات المحيط الحيوي، ومواقع التراث العالمي، والمنتزهات الجيولوجية (الجيوبارك) في المنطقة العربية، وذلك تمهيداً لمؤتمر يُعقد في بيروت في تموز/يوليو 2026.
وشارك في الاجتماع، الذي عُقد عبر الإنترنت، نخبة من ممثلي المنظمات الدولية والسلطات الوطنية والخبراء الإقليميين، بهدف إطلاق منصة تعاونية لتبادل الخبرات في تطبيق نهج الحِمى لتطوير محميات محيط حيوي أكثر فاعلية نحو تحقيق التنمية المستدامة، ومناقشة التحديات التي تواجه مبادرات التصدي لفقدان التنوع البيولوجي في منطقة بلاد الشام.
قدّم الدكتور نزار حسن، رئيس قسم العلوم الطبيعية في المكتب الإقليمي لليونسكو في بيروت، مبادرة «مسرّع المشرق 2026» بوصفها منصة محفزة لتسريع التعاون الإقليمي في مجالي التنوع البيولوجي والتنمية المستدامة. وتسعى المبادرة إلى الانتقال من مرحلة الحوار إلى التنفيذ، عبر دعم نماذج مبتكرة وقابلة للتوسع تربط بين السياسات والتمويل والعمل المجتمعي. ومع التركيز على المرونة وتحقيق الأثر، يهدف المسرّع إلى ربط المبادرات المحلية، مثل الحِمى، بآليات التمويل الإقليمية والدولية، والخبرات التقنية، والأطر السياساتية، إلى جانب تعزيز التعاون العابر للحدود، وتبادل المعرفة، واحتضان مشاريع تجريبية قابلة للتكرار على مستوى المشرق.
وشددت ميشيل الجلخ، المسؤولة الوطنية للبرامج في الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC)، على أهمية ربط نماذج الحفظ القائمة على المجتمعات المحلية، مثل الحِمى، ببرامج التنمية طويلة الأمد والأطر المدعومة من الجهات المانحة. وأكدت التزام الوكالة المستمر بدعم جمعية حماية الطبيعة في لبنان ومبادرة الحِمى على مدى العقدين الماضيين، ولا سيما من خلال برنامج المياه الذي أسهم في تعزيز صمود المجتمعات المحلية والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية. كما لفتت إلى ضرورة تحقيق مواءمة أكبر بين الأولويات الوطنية وآليات التعاون الإقليمي وتدفقات التمويل الدولية، بما يضمن توسيع نطاق المقاربات المبتكرة، مثل الحِمى، وتكرارها بفعالية في أنحاء المنطقة.
وأكد تيم بادمان، مدير برنامج التراث العالمي في الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN)، أن الربط بين الطبيعة والثقافة ووضع الإنسان في صلب جهود الحماية يشكل شرطاً أساسياً لتحقيق الاستدامة على المدى الطويل. وأوضح أن الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة يشير إلى وجود أكثر من 4000 موقع مصنف دولياً حول العالم، تشمل محميات المحيط الحيوي، ومواقع التراث العالمي، ومواقع رامسار، والجيوبارك، من بينها نحو 395 موقعاً يحمل أكثر من تصنيف دولي واحد، إذ تتداخل فيه تصنيفات متعددة (MIDAs).
وأوضح أن هذا الواقع يطرح تحديات ملحوظة، مثل تداخل الأنظمة القانونية والإدارية، والتنافس على التمويل والاعتراف، إضافة إلى الإرباك الذي قد تواجهه المجتمعات المحلية. ورأى المشاركون أن نهج الحِمى يشكل نموذجاً مجتمعياً محورياً قادراً على لعب دور توحيدي ضمن هذه الأطر المعقدة.
وأشارت أدريانا موريرا، رئيسة قسم الشراكات في مرفق البيئة العالمية (GEF)، إلى أن المقاربات القائمة على المجتمعات المحلية، مثل نهج الحِمى، تمثل مسارات فعالة لتحقيق أثر مستدام، خصوصاً عندما تُدمج ضمن أطر تمويل متعددة الشركاء، وتُدعم بتعاون وثيق بين الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني. كما شددت على أهمية توسيع الاستثمارات في الحلول القائمة على الطبيعة، وتعزيز وصول المبادرات المحلية إلى مصادر التمويل.
وأكد مارتن هاربر، الرئيس التنفيذي لمنظمة BirdLife International، أن نهج الحِمى يتماشى بصورة وثيقة مع الاستراتيجيات العالمية للتنوع البيولوجي، ويسهم مباشرة في تحقيق الأهداف الدولية، بما في ذلك هدف 30×30، مؤكداً أن النماذج المجتمعية ضرورية لتحويل الالتزامات العالمية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وأوضح أسعد سرحال، رئيس شراكة BirdLife International في الشرق الأوسط والمدير العام لجمعية حماية الطبيعة في لبنان، أن نهج الحِمى يجسد نموذجاً للحوكمة يقوم على الرعاية المجتمعية، والتراث الثقافي، والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية. وأضاف أنه يقدم استجابة عملية وقابلة للتوسع للتحديات البيئية المعاصرة، من خلال تمكين المجتمعات المحلية بوصفها الحارس الأساسي للأنظمة البيئية، وتعزيز سبل العيش المستدامة، وتقوية التماسك الاجتماعي.
وأظهرت مداخلات رسمية وأهلية من الأردن وسوريا وفلسطين التزاماً متزايداً بتوسيع جهود الحفظ، رغم التحديات المؤسسية والسياسية، مع التأكيد على أهمية التعاون الإقليمي وتبادل الخبرات. وحدد المشاركون مجموعة من التحديات، من بينها محدودية الموارد، وضعف التنسيق السياساتي، والضغوط البيئية، وعدم الاستقرار الإقليمي، مع توافق واسع على ضرورة اعتماد استجابات إقليمية منسقة. كما أكدوا التزامهم بمواصلة التعاون والانخراط في المنصات الدولية المقبلة، بما في ذلك المبادرات المرتبطة بمؤتمر مرفق البيئة العالمية (GEF) في سمرقند.
وأبرز الاجتماع تحولاً نوعياً في التفكير البيئي، يقوم على إدماج الإنسان والثقافة في صلب سياسات حماية الطبيعة. ومن خلال الجمع بين الأنظمة التقليدية، مثل الحِمى، والأطر الدولية الحديثة، يجري إرساء نموذج جديد للحفظ يتميز بكونه شاملاً وقائماً على المجتمعات المحلية، ومستنداً إلى المعرفة العلمية، ومرتبطاً بالشراكات العالمية، ومرناً وقادراً على التكيف مع تعقيدات المنطقة.






