من «ما هو الحِمى؟» إلى «كيف نبدأ؟»: دليل عملي لحماية الطبيعة بالشراكة مع المجتمعات المحلية

بقلم أسعد سرحال
المدير العام لجمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL)

كلّما تحدّثنا عن إحياء الحِمى، يتكرّر سؤالان على مسامعنا. يطرحهما المواطنون والجمعيات والباحثون والجامعات، وخصوصًا البلديات الراغبة في حماية تراثها الطبيعي.

«ما الفرق بين المحميّة الطبيعية والحِمى؟»

ثمّ يأتي السؤال الثاني، أحيانًا قبل أن ننتهي من الإجابة عن الأوّل: «كيف يمكننا المشاركة والمساعدة في إنشاء حِمى؟»

أعددنا إصدارنا الجديد، «الحِمى: حماية الطبيعة من خلال الشراكة المجتمعية»، للإجابة عن هذين السؤالين. فهو يجمع بين الفلسفة التي يقوم عليها الحِمى والخطوات العملية اللازمة لتحويل اهتمام المجتمع المحلي إلى التزام منظّم بحماية الطبيعة. إنّه دليل للبنان، ودعوة مفتوحة أيضًا إلى كلّ بلد يرغب في الاستفادة من التجربة اللبنانية.

بالنسبة إليّ، يشكّل صدور هذا الدليل فرصة للتأمّل في المسافة التي قطعناها، وفي المسؤولية التي تضعها المرحلة المقبلة على عاتقنا.

عندما بدأت جمعية حماية الطبيعة في لبنان إحياء الحِمى عام 2004 في إبل السقي، في جنوب لبنان، كنّا نعيد وصل الحاضر بتقليد متجذّر في علاقة مجتمعات هذه المنطقة بالأرض والمياه والموارد المشتركة. آمنّا بأنّ هذا الإرث يستطيع أن يقدّم إجابة عن تحدٍّ معاصر: كيف نحمي التنوّع البيولوجي، وفي الوقت نفسه نعزّز قدرة المجتمعات التي تعتمد عليه في حياتها وسبل عيشها؟

وبعد أكثر من عقدين، تحوّل هذا الإيمان إلى شراكة متنامية تجمع البلديات والأهالي والمؤسّسات الوطنية والعلماء والمنظّمات الدولية المعنيّة بحماية الطبيعة.

الفرق يبدأ من كيفية رعايتنا للمكان

تلتقي المحميّة الطبيعية والحِمى عند غاية أساسية واحدة: حماية الطبيعة. وهما نهجان متكاملان يحتاج لبنان إليهما معًا.

تعمل المحميّات الطبيعية في لبنان ضمن إطار قانوني رسمي، يتضمّن ترتيبات إدارية محدّدة وضوابط تهدف إلى صون النُّظم البيئية والأنواع. أمّا الحِمى، فيركّز بصورة خاصة على الرعاية المجتمعية، بحيث يشارك الأهالي في تحديد كيفية حماية أراضيهم ومواردهم واستخدامها ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

ولا يعني ذلك أنّ المحميّات الطبيعية لا تستطيع إشراك المجتمعات المحلية، أو أنّ الحِمى يسمح باستخدام الموارد من دون ضوابط. فالتشريع اللبناني يجيز بعض الأنشطة المستدامة داخل المحميّات الطبيعية وفق شروط محدّدة. وكذلك يجب أن يظلّ استخدام الموارد داخل الحِمى منسجمًا مع أهداف الحماية. لذلك، يرتبط الفرق بنهج الحوكمة والرعاية، أكثر ممّا يرتبط بتقسيم مبسّط بين المنع والسماح.

يدعو الحِمى المجتمع المحلي إلى مناقشة أسئلة عملية، وقد تكون صعبة: أين يمكن السماح بالرعي من دون الإضرار بالتجدّد الطبيعي للغطاء النباتي؟ وأيّ الموائل تحتاج إلى حماية موسمية؟ وكيف ينبغي تقاسم المياه؟ وكيف يمكن للزراعة ومسارات المشي والإنتاج المحلي أن تدعم سبل العيش من دون استنزاف المكان؟

تكمن قوّة الحِمى في إشراك الأشخاص الذين يعرفون المكان وسيعيشون نتائج القرارات المتّخذة بشأنه. ولا بدّ من أن تتكامل المعرفة التقليدية مع الأدلة العلمية، وأن تقترن المشاركة المجتمعية بمسؤوليات واضحة وقواعد عادلة وقدرة فعلية على تطبيقها.

وقد منح لبنان هذا النهج مكانة مهمّة في تشريعاته الوطنية من خلال قانون المناطق المحميّة رقم 130 لسنة 2019، الذي اعترف بالحِمى إلى جانب المحميّات الطبيعية والمنتزّهات الطبيعية والمواقع أو المعالم الطبيعية. وكانت هذه خطوة أساسية لربط الرعاية المحلية بالسياسة الوطنية لحماية الطبيعة.

تحويل الاهتمام إلى عمل

لعلّ القسم الأكثر فائدة في الدليل هو «الخطوات الذهبية العشر»، التي ترسم مسارًا عمليًا ينقل البلدية من الحوار الأوّل مع الجمعية إلى حِمى يعمل على أرض الواقع.

تبدأ العملية بالتقييم المشترك للموقع المقترح وإعداد خرائط حدوده واستخدامات الأراضي فيه. ثمّ تشمل صياغة القرار البلدي بإنشاء الحِمى وإقراره، وتشكيل لجنة تمثّل المجتمع المحلي، وتعيين منسّق، ووضع خطّة للإدارة والعمل، وتدريب فريق «حماة الحِمى»، وإطلاق برنامج «دروب الحِمى»، وإعداد مقترح مشروع أوّلي لحشد الدعم.

توضح هذه الخطوات أنّ إنشاء الحِمى يتطلّب أكثر من إعلان منطقة محميّة. فهو يحتاج إلى اتفاق حول مَن سيتولّى العمل، وكيف ستُتّخذ القرارات، وما الموارد المطلوبة، وكيف سيُقيَّم التقدّم.

واختيار الموقع المناسب هو بحدّ ذاته مهمّة جدّية. فلا بدّ من مراعاة أهميته البيئية، وملكية الأرض واستخداماتها، وأولويات المجتمع المحلي، والضغوط القائمة، وترابطه مع الموائل المحيطة. وتعتمد هذه العملية على تعاون متأنٍّ يبدأ من القرية ويمتدّ إلى السلطات الحكومية والشركاء الدوليين.

يفتح القرار البلدي الباب، ويمنحه العمل اللاحق معناه الحقيقي.

تجربة لبنانية ذات امتداد دولي

ساهم الاعتراف الدولي بالحماية المجتمعية في نقل هذه التجربة إلى خارج لبنان.

ففي المؤتمر العالمي لصون الطبيعة، الذي عُقد في جيجو عام 2012، اعتمد الاتحاد الدولي لصون الطبيعة القرار WCC-2012-Res-092، الداعم للإدارة المجتمعية للموارد وحمايتها. وقد اعترف القرار صراحةً بالحِمى ضمن النُّظم التقليدية التي تربط المعرفة المحلية والثقافة والتراث بحماية الطبيعة وسبل العيش.

وربطت شراكتنا مع «بيردلايف إنترناشونال» رعاية الحِمى بحماية المناطق المهمّة للطيور والتنوّع البيولوجي. وتجمع هذه العلاقة بين التحديد العلمي للموائل ذات الأولوية والشراكات المحلية اللازمة لصونها.

وفي الآونة الأخيرة، أشارت الجمعية إلى تشجيع اليونسكو اعتماد نهج الحِمى في تطوير محميّات المحيط الحيوي والحدائق الجيولوجية في المشرق. ويجسّد عملنا نحو إنشاء محميّة مقترحة للمحيط الحيوي في وادي نهر بيروت هذا الطموح، عبر ربط الحماية المحلية بمقاربة أوسع للمشهد الطبيعي تشمل البحث والتعليم والتنمية المستدامة.

كما يوثّق الدليل إدراج 27 موقع حِمى لبنانيًا في قاعدة البيانات العالمية للمناطق المحميّة. ويساعد هذا الحضور في توثيق مساهمة مجتمعاتنا ضمن السجلّ الدولي لجهود حماية الطبيعة.

هذه المحطّات مدعاة للفخر، لكنّها تضع علينا أيضًا واجب إثبات أنّ الاعتراف يقترن بإدارة فعّالة على الأرض.

ما وراء الأرقام

أتوجّه اليوم بالتهنئة إلى الحكومة اللبنانية ووزارة البيئة والبلديات الثلاث والستّين التي تبنّت الحِمى بقرارات بلدية. ويساهم التزامها في صون بعض أثمن المشاهد الطبيعية في لبنان. ومع وجود خمسة وعشرين موقع حِمى إضافيًا قيد التحضير، تتّسع الفرصة لتعميق هذا العمل وتوسيعه.

تندرج مساهمتنا ضمن طموح إطار كونمينغ–مونتريال العالمي للتنوّع البيولوجي وهدف «30 بحلول 2030»، الذي يدعو إلى الحماية والإدارة الفعّالتين لما لا يقلّ عن 30% من المناطق البرّية والمياه الداخلية، ومن المناطق البحرية والساحلية، على مستوى العالم بحلول عام 2030. ويتطلّب هذا الهدف أيضًا الترابط البيئي والحوكمة المنصفة واحترام المجتمعات المحلية.

ينبغي لهذه المعايير أن توجّه تقدّمنا. علينا أن نسأل: هل تتعافى الموائل؟ وهل تستفيد المجتمعات بصورة عادلة؟ وهل تُحترم القواعد؟ وهل يحصل المسؤولون عن الإدارة على الدعم الذي يحتاجون إليه؟

لذلك، يجب أن تستثمر المرحلة المقبلة في الناس والمؤسّسات بالجدّية نفسها التي نستثمر بها في توسيع شبكة الحِمى.

الناس الذين يمنحون الحِمى حياته

يشكّل «حماة الحِمى»، حرّاسه وروّاده، ركيزة أساسية لهذه المهمّة. فالشباب يحتاجون إلى التدريب والخبرة العملية وفرص القيادة. ويمكن أن تمتدّ مساهمتهم من رصد التنوّع البيولوجي والتربية البيئية إلى إدارة المسارات والحوار المجتمعي والمبادرات الاقتصادية المحلية.

ويجب أن تكون النساء في مقدّمة هذا العمل. يوفّر «سوق الحِمى» مساحة مهمّة لإنتاج النساء ومعارفهنّ ومشاركتهنّ الاقتصادية، لكنّ قيادتهنّ يجب أن تمتدّ إلى مختلف جوانب حوكمة الحِمى. وينبغي أن يشاركن في صياغة خطط الإدارة، واتّخاذ القرارات المتعلّقة بالموارد، وتحديد أولويات الحماية، وتوزيع المنافع.

لا يستطيع مجتمع أن يستثمر كامل قدراته فيما يتجاهل معرفة نصف أفراده وقدرتهم على القيادة.

وينطبق المبدأ نفسه على التعاون بين المجتمعات. فتغيّر المناخ والضغوط على المياه والطاقة والأمن الغذائي تجعل الإدارة المشتركة للموارد أكثر إلحاحًا. يربط النهر القرى بعضها ببعض، سواء تعاونت مؤسّساتها أم لم تتعاون. وتمنحها حماية الطبيعة سببًا عمليًا للعمل معًا.

في وادي نهر بيروت، يساعد عملنا المتواصل مع وزارة البيئة وMESD وثمانية عشر مجتمعًا محليًا في بناء هذا التعاون. ويوفّر برنامج «دروب الحِمى» فرصًا لربط المشاهد الطبيعية وسبل العيش والناس عبر الحدود البلدية. وتستفيد هذه الجهود الأوسع من دعم الاتحاد الأوروبي والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، فيما تسعى إلى إنشاء أوّل منتزّه طبيعي في لبنان وإلى تحقيق مشروع محميّة المحيط الحيوي المقترحة. ولا تزال مبادرة المنتزّه الطبيعي المدعومة سويسريًا تعمل باتّجاه استكمال إعلانه.

وعلينا أن نواصل توثيق ما تحقّقه هذه الشراكات، بما في ذلك مساهمتها في الحوار وإدارة الموارد المشتركة. فالأدلة تساعدنا في تحسين العمل وشرح قيمته للآخرين.

دعوة إلى البداية

أتوجّه بشكر خاص إلى فريق جمعية حماية الطبيعة في لبنان المتفاني، وإلى MESD بقيادة غادة غزال، على مساهمتهم في سلسلة إصدارات الحِمى وحماة الحِمى. وسيساعد دليل «دروب الحِمى» المرتقب في توسيع هذه المقاربة العملية لتشمل المسارات التي تصل بين مجتمعاتنا.

آمل أن يجد هذا الإصدار مكانه على طاولات المجالس البلدية، وفي الصفوف الدراسية، ولدى الجمعيات المحلية، وبين الجيران الذين يناقشون مستقبل أرضهم.

سيُقاس نجاحه بما يفعله الناس بعد قراءته: بالاجتماع الذي يعقدونه، والشباب الذين يدرّبونهم، والموئل الذي يحمونه، والشراكة التي يحافظون عليها.

ولكلّ بلدية تسأل كيف تبدأ، نجيب بدعوة: تعالوا بمعرفتكم وهواجسكم والتزامكم. لِنُقيّم المكان معًا، ولنضع خطّة يستطيع مجتمعكم حملها والمضيّ بها.

إنّ مستقبل الحِمى يعتمد على استعداد الناس لتحمّل مسؤولية مشتركة عن الأماكن التي ينتمون إليها.

مجلة الحمى العدد السابع

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان العدد السابع من مجلة الحِمى، مجددةً التزامها بتعزيز نهج الحماية المجتمعية للطبيعة، وترسيخ مكانة لبنان كدولة رائدة إقليمياً في مجال الحلول القائمة على الطبيعة. ويأتي هذا العدد الجديد في مرحلة مفصلية تتطلب تكثيف الجهود البيئية في لبنان والمنطقة، حيث يجمع بين الرؤى العلمية، والمعارف التقليدية، والخبرات العالمية تحت عنوان جامع هو: «من قمم الجبال إلى الساحل... حِمى تلو الأخرى».

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

The “Trail of Roses” at Hima Diman Gardens: Where...

Under the patronage and in the presence of Maronite Patriarch Cardinal Mar Bechara Boutros Al-Rahi, with Dr....
Geological site in Kfarmatta

مستقبلٌ جذوره في الأرض: دليل جديد من جمعية حماية...

يجمع «دليل الحِمى» بين تقليد عريق وخطوات عملية للعمل المحلي، ليُبيّن كيف تستطيع المجتمعات حماية الطبيعة، وصون...

المرأة والحِمى: تمكين المجتمعات، حماية الطبيعة، واستدامة سبل العيش

الحِمى: علاقة بين الإنسان والطبيعة الحِمى ليست مجرد منطقة جغرافية مخصّصة للحماية، بل هي نموذج لعلاقة متكاملة بين...