في كلّ ربيع وخريف، تتحوّل سماء المشرق إلى أحد أعظم الممرّات الجوية للهجرة في العالم. فمئات الملايين من الطيور تنزلق بين القارات، متتبعة مساراً أقدم من الحدود الحديثة أو الصراعات السياسية. ومن الأراضي الرطبة في أفريقيا إلى غابات أوروبا، تعتمد الطيور المهاجرة على جسرٍ بريّ ضيّق يربط بين ثلاث قارات.
إلّا أنّ السماء نفسها التي تهدي رحلاتها امتلأت في السنوات الأخيرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ودخان الغابات المشتعلة. وبالنسبة للطيور المهاجرة التي تعبر لبنان، فقد حوّلت الحرب هذا المسار العريق إلى ممرّ محفوف بالمخاطر.
ممر هش بين القارات
يُعدّ المشرق أحد أهمّ نقاط الاختناق في مسارات هجرة الطيور على مستوى العالم. فالطيور التي تنتقل بين أفريقيا وأوروبا تتقاطع في هذه المنطقة لأنّ البحر الأبيض المتوسط يعيق سلوك طرق بديلة عبر المسطّحات المائية المفتوحة. ونتيجة لذلك، يمرّ عبر هذا الممرّ الطبيعي نحو 500 مليون طائر مهاجر سنوياً، حيث تتوقف في الأراضي الرطبة والغابات والمناطق الزراعية في لبنان والدول المجاورة للاستراحة واستعادة طاقتها.
وتُعدّ هذه المواقع التوقّفية أساسية لبقاء الطيور. فكثير من الطيور المهاجرة لا يتجاوز وزنها بضعة غرامات، وتحتاج إلى إعادة تكوين مخزونها من الدهون الذي يمكّنها من مواصلة رحلاتها الطويلة. وحتى الاضطرابات القصيرة في مواقع التغذية يمكن أن تكون لها عواقب خطيرة.
وفي مختلف أنحاء المنطقة، يراقب العلماء هذه الهجرة من خلال مراصد الطيور وبرامج التحليق والتوسيم (التحجيل)، حيث تُلتقط الطيور لفترة وجيزة لتسجيل قياساتها، وتُثبَّت عليها حلقات تعريفية، ثم تُطلق مجدداً في البرية. وتساعد هذه الدراسات في تتبّع مسارات الهجرة والكشف عن كيفية تأثير الاضطرابات البيئية في سلوك الطيور.
حرب على الأرض، ونتائج في السماء
منذ تشرين الأول 2023، أدّت الأعمال العدائية المتصاعدة إلى تغيير كبير في المشاهد الطبيعية الواقعة تحت مسارات الهجرة.
فقد أشعلت الضربات الصاروخية وتبادل القصف المدفعي حرائق واسعة في الغابات والأراضي الزراعية على جانبي الحدود. وفي جنوب لبنان، دمّرت حرائق الغابات والمزارع آلاف الأفدنة من الموائل الطبيعية. وهذه الحرائق لا تلتهم الأشجار فحسب، بل تقضي أيضاً على الحشرات والبذور والنباتات التي تعتمد عليها الطيور المهاجرة أثناء توقّفها للاستراحة والتغذية.
وعادةً ما تطير الطيور المهاجرة الصغيرة ليلاً وتهبط عند الفجر لتتغذّى. وعندما تكون الأراضي في الأسفل قد احترقت، لا تستطيع تجديد مخزونها من الطاقة. وبدلاً من ذلك، تضطر إلى مواصلة الطيران نحو مناطق تغذية أبعد، غالباً في بيئات جافة ذات موارد غذائية محدودة. وبالنسبة للطيور التي تستعد لعبور الصحراء الكبرى، فإن فقدان هذه المحطات التوقّفية قد يكون قاتلاً.
طيور عالقة في مرمى النيران
كما أدخلت النزاعات خطراً غير متوقّع في السماء. فالطيور الكبيرة مثل الكُرْكِيّات والبجع واللقالق غالباً ما تطير على ارتفاعات مماثلة لارتفاع الطائرات المسيّرة العسكرية. وخلال المراحل الأولى من التصعيد الإقليمي، واجهت أنظمة الرادار أحياناً صعوبة في التمييز بين أسراب الطيور والطائرات غير المأهولة القادمة.
وفي عدة حالات، استهدفت أنظمة الدفاع الجوي الطيور عن طريق الخطأ بدلاً من الطائرات المسيّرة. وعلى الرغم من أن الأعداد الدقيقة ما تزال مصنّفة وسرّية، فقد لاحظ علماء الطيور انخفاضاً حاداً في أعداد طيور الكركي التي تقضي الشتاء في المنطقة خلال السنة الأولى من الحرب. فما كان في السابق تجمّعاً مذهلاً لعشرات الآلاف من طيور الكركي، أصبح اليوم تجمعاً أصغر بكثير.
تغيّر مسارات هجرة الطيور في لبنان
في لبنان أيضاً بدأت أنماط هجرة الطيور تشهد تحوّلات ملحوظة.
فقد أفاد مراقبون يتابعون هجرة الطيور الجارحة بأن العديد من الأنواع بات يتجنّب المناطق الجنوبية المتأثرة بشدّة بالحرائق والقصف. وبدلاً من ذلك، بدأت أسراب اللقالق والنسور والعقبان تستقرّ بشكل متزايد في مناطق أبعد شمالاً أو في سهل البقاع.
وقد أدّى تدمير الغابات والأراضي الزراعية في جنوب لبنان إلى تقليص كبير في توافر مواقع التوقّف الآمنة للطيور المهاجرة. وفي بعض الحالات، أصبحت الطيور التي اعتادت تاريخياً التوقّف في هذه المنطقة تتجاوزها بالكامل خلال رحلتها.
قد تبدو هذه التغيّرات في مسارات الهجرة طفيفة، لكنها تشير في الواقع إلى اضطراب بيئي أعمق. فعندما تتخلّى الطيور عن مواقع الاستراحة التقليدية، يمكن أن يتغيّر نظام الهجرة بأكمله تدريجياً.
كما يبرز تهديد آخر للحياة البرية يتمثّل في الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة العسكرية في ساحات القتال الحديثة. وتشير أبحاث حديثة إلى أنّ حروب الطائرات المسيّرة تفرض ضغوطاً بيئية جديدة غالباً ما يتم تجاهلها عند مناقشة النزاعات المسلحة. فإلى جانب دورها العسكري، تُحدث هذه الطائرات ضوضاء مستمرة واضطرابات بصرية وحطاماً قد يغيّر النظم البيئية ويعطّل سلوك الحيوانات.
وفقاً لدراسة متعددة التخصصات نُشرت عام 2026 في مجلة Environment and Security، فإن حروب الطائرات المسيّرة تخلق «مخاطر بيئية متعددة المستويات»، تشمل الاضطرابات الصوتية، والتلوث الناتج عن الحطام الإلكتروني، والضغوط السلوكية على الحياة البرية، ولا سيما الطيور. وتشير الدراسة إلى أنّ الآثار البيئية للطائرات المسيّرة ما تزال إلى حدّ كبير مهمَلة في أبحاث النزاعات، رغم تزايد الأدلة التي تُظهر أنّ الحياة البرية تتفاعل بقوة مع ضجيج هذه الطائرات وحضورها في الأجواء.
فالطيور، على وجه الخصوص، قد تفسّر الطائرات المسيّرة بوصفها مفترسات جوية. إذ إنّ صوتها الطنّان يمكن أن يثير حالات من الذعر تدفع الطيور إلى الطيران المفاجئ، أو تعطل عمليات التغذية، أو تجبرها على هجر مواقع التعشيش. وفي مناطق النزاع التي تُنشر فيها الطائرات المسيّرة بأعداد كبيرة، يمكن لهذه الاضطرابات أن تعيد تشكيل أنماط الهجرة والتكاثر.
وفي الوقت نفسه، تشير الدراسة إلى أنّ الطائرات المسيّرة تمثّل مفارقة تكنولوجية. فبينما يمكن أن تُحدث اضطراباً في النظم البيئية أثناء الحروب، يمكن أيضاً أن تدعم جهود الحفاظ على الطبيعة في البيئات ما بعد النزاع، من خلال مساعدة العلماء على مراقبة الحياة البرية والموائل المتضررة عن بُعد.
وتجسّد هذه الإمكانات المزدوجة ما تصفه الدراسة بالطبيعة «ذات الحدّين» لتكنولوجيا الطائرات المسيّرة في السياقات البيئية.
كما يشير البحث إلى أنّ الجماعات المسلحة من غير الدول باتت تستخدم الطائرات المسيّرة بشكل متزايد في النزاعات. ويُفسَّر هذا الاتجاه بوصفه جزءاً من تحوّل عالمي أوسع في طبيعة الحروب، حيث يجري تكييف الطائرات المسيّرة المدنية أو التجارية للاستخدام العسكري، ما يمنح الجماعات المسلحة قدرات جديدة.
اختفاء الحُرّاس الصامتين
ليست الطيور مجرد رموز للطبيعة، بل تؤدي دوراً أساسياً في الحفاظ على التوازن البيئي. فالبوم الحظائري، على سبيل المثال، يساعد في السيطرة على أعداد القوارض في الحقول الزراعية. ولذلك يقوم المزارعون بتركيب صناديق تعشيش لجذب هذه الطيور كي تصطاد الآفات التي تضرّ بالمحاصيل. لكن عندما تشعل الحروب النيران في الأراضي الزراعية أو تعطل النظم البيئية، تنهار أعداد القوارض وتفقد البوم مصادر غذائها. كما أن الانفجارات الصاخبة وتدمير الموائل الطبيعية تدفع الطيور إلى مغادرة مواقع التعشيش.
وفي بعض المناطق الزراعية، اختفت مستعمرات كاملة من البوم. ويمكن أن يؤدي فقدان الطيور إلى سلسلة من التداعيات المتتالية التي تطال الزراعة ومكافحة الآفات وصحة النظم البيئية.
معركة أخرى: الصيد غير المشروع
إلى جانب الحرب، تواجه الطيور المهاجرة تهديداً مستمراً آخر في المنطقة يتمثل في الصيد غير المشروع. ففي لبنان وحده، يقدّر الباحثون أن نحو 2.5 إلى 2.6 مليون طائر مهاجر يُقتل سنوياً بشكل غير قانوني على يد الصيادين، غالباً بدافع التسلية أو للحصول على الجوائز. وكثيراً ما تُظهر الصور المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أكواماً من الطيور الجارحة والطيور المغرّدة النافقة، وهي أنواع قطعت آلاف الكيلومترات خلال رحلتها الموسمية.
وقد أسهمت حملات الحماية والوعي في إنقاذ العديد من الطيور ولفت الانتباه إلى مخاطر الصيد غير المشروع، غير أن إنفاذ القوانين ما يزال صعباً، ولا سيما خلال فترات عدم الاستقرار. ومع ذلك، تشير الملاحظات الميدانية الأخيرة إلى أن التصعيد الذي بدأ في 2 آذار 2026 أدى إلى تراجع حاد في نشاط الصيد غير القانوني في جبل لبنان والبقاع وجنوب لبنان، حيث أصبحت الطيور المهاجرة تعبر بقدر أكبر من الأمان. في المقابل، لا يزال الوضع في شمال لبنان مقلقاً للغاية ويخضع لمراقبة دقيقة. ويكشف هذا التباين مفارقة مريرة، فحتى وسط النزاعات قد تصبح بعض السماوات أكثر أماناً مؤقتاً للطيور، فيما تبقى أخرى خطرة كما كانت.
سماء مشتركة
على الرغم من النزاعات والتدهور البيئي، يواصل العلماء وخبراء الحفاظ على الطبيعة في أنحاء المنطقة جهودهم لحماية الطيور المهاجرة. ويعمل الباحثون على تطوير أنظمة رادار قادرة على التمييز بين الطيور والطائرات المسيّرة، فيما تراقب المنظمات البيئية مسارات الهجرة وتسعى إلى ترميم الموائل الطبيعية المتضررة.
وتعكس هذه الجهود حقيقة بيئية بسيطة: الطيور لا تعترف بالحدود. فبقاء هذه الأنواع يعتمد على التعاون بين دول غالباً ما تفرّقها السياسة والنزاعات، لكنها تتشارك السماء نفسها.
الرحلة مستمرة
في كل موسم تتبدّل الرياح وتعود الطيور من جديد. عالياً فوق الأراضي المتنازع عليها، تنساب طيور الكركي في السماء، وتعبر طيور الدُّخَّل الصحارى، وتحلّق الطيور الجارحة مستفيدةً من تيارات الهواء غير المرئية. تستمرّ رحلاتها رغم الحرائق والانفجارات وضجيج الطائرات المسيّرة في الأسفل.
ولقرون طويلة، ربطت هذه الهجرات بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا ضمن ممرّ بيئي حيّ واحد. ويبقى السؤال اليوم: هل سيصمد هذا الممرّ أمام ضغوط الحروب الحديثة؟ قد يعتمد ذلك على الكيفية التي يختار بها البشر حماية طرق السماء الهشّة التي نتشاركها جميعاً.






