اليوم العالمي لإعادة توحّش الطبيعة: اختيار مستقبلنا عبر تعافي الطبيعة

في 20 آذار، لا يمرّ الحدث بهدوء كما قد يبدو، بل يتشكّل موجة عالمية من الأمل والعمل. من الأراضي الرطبة التي استعادت حياتها في أوروبا، إلى المبادرات المجتمعية في أفريقيا وآسيا، يتوحّد ملايين الأشخاص حول رسالة واحدة: #اختر_مستقبلنا.

إنه اليوم العالمي لإعادة توحّش الطبيعة، ليس مجرد دعوة لحماية البيئة، بل لإعادتها إلى الحياة.

حركة تنمو على الأمل

أُطلق هذا اليوم عام 2021 من قبل Global Rewilding Alliance، وسرعان ما تحوّل إلى أكثر من مناسبة رمزية. أصبح منصة عالمية تعيد صياغة السردية البيئية، من خطاب الخسارة والانهيار إلى خطاب التعافي والتجدد.

إعادة توحّش الطبيعة، أو “Rewilding”، تعني ببساطة السماح للطبيعة بأن تستعيد توازنها بنفسها. إنها عملية إعادة ترابط الأنظمة البيئية، وإعادة إدخال الأنواع، وتقليل التدخل البشري، لكنّها أيضاً فكرة أعمق، فكرة الإيمان بأن الطبيعة قادرة على الشفاء.

واليوم، يبدو أن هذا الإيمان ينتشر بسرعة غير مسبوقة.

من التدهور إلى التجدد

في مختلف أنحاء العالم، لم تعد إعادة توحّش الطبيعة مجرد مفهوم نظري، بل واقع يتشكل على الأرض.

أنهار تتحرر من القيود الصناعية، فتستعيد مجاريها الطبيعية وتخفف من مخاطر الفيضانات. غابات تتجدد، فتحتضن التنوع البيولوجي من جديد وتخزّن الكربون. وملقّحات تعود إلى الحقول، فتنعش الزراعة وتعيد التوازن للأنظمة الغذائية.

وفي بعض المناطق، أدى عودة أنواع رئيسية، مثل الذئاب أو الحيوانات العاشبة الكبيرة، إلى إحداث تحولات بيئية متسلسلة أعادت الحياة إلى أنظمة كاملة.

لكن الأثر لا يتوقف عند البيئة.

فحيثما تعود الطبيعة، تولد فرص جديدة.

فرص في السياحة البيئية، وفي الزراعة المستدامة، وفي اقتصاد قائم على احترام الموارد الطبيعية. إعادة التوحّش هنا ليست عودة إلى الماضي، بل بناء لمستقبل مختلف، حيث يتكامل الإنسان مع الطبيعة بدل أن يتصارع معها.

زخم عالمي يتحول إلى فعل يومي

يحمل شعار عام 2026، #اختر_مستقبلنا، دلالة واضحة على هذا التحول.

لم تعد إعادة توحّش الطبيعة مشروعاً بعيداً تقوده الحكومات فقط، بل أصبحت ممارسة يومية يمكن للجميع المشاركة فيها. من زراعة حدائق داعمة للملقّحات، إلى حماية المواطن الطبيعية المحلية، إلى دعم المبادرات البيئية، كلها خطوات صغيرة لكنها تتراكم لتصنع فرقاً كبيراً.

حتى في الفضاء الرقمي، بات ما يُعرف بـ”التصفح المفعم بالأمل” وسيلة لاكتشاف قصص النجاح البيئي، وتحويل الإلهام إلى عمل.

وهنا تكمن قوة هذه الحركة، في قدرتها على تحويل الأفراد من متلقّين للأزمات إلى فاعلين في صناعة الحلول.

قوة الصورة والحكاية

ساهمت السرديات البصرية في تسريع انتشار هذه الحركة. فقد نجحت مبادرات مثل Rewilding Europe وWild Africa وTrees for Life في نقل صورة حية لما يمكن أن يكون عليه العالم عندما تستعيد الطبيعة عافيتها.

صور لأنهار تعود إلى مجاريها، وغابات تتمدد، وحيوانات برية تعود إلى موائلها، ومجتمعات تعيد اكتشاف ارتباطها بالأرض.

هذه الصور لا توثّق التغيير فقط، بل تدفع إليه.

اختيار المستقبل… معاً

في زمن يطغى عليه خطاب الأزمات، تقدّم إعادة توحّش الطبيعة رؤية مختلفة، رؤية قائمة على الأمل العملي.

هي لا تنكر التحديات، لكنها تثبت أن التعافي ممكن، وأن الأنظمة البيئية قادرة على التجدد، وأن الإنسان يمكن أن يكون جزءاً من الحل.

اليوم العالمي لإعادة توحّش الطبيعة ليس مجرد مناسبة سنوية، بل لحظة التقاء بين الوعي والعمل، بين الفرد والجماعة، بين الحاضر والمستقبل.

مستقبل تصبح فيه الطبيعة أكثر مرونة، وتقلّ فيه الكوارث، ويزدهر فيه التنوع البيولوجي، وتجد فيه المجتمعات طرقاً جديدة للعيش بكرامة واستدامة.

وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم:

المستقبل ليس شيئاً ننتظره… بل خياراً نصنعه.

مجلة الحمى العدد السادس

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) العدد السادس من مجلة "الحمى"، والذي يركّز على المؤتمر العالمي لحماية الطبيعة التابع للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) المزمع عقده في أبوظبي بين 8 و15 تشرين الأول 2025، حيث ستشارك الجمعية في أربع جلسات رئيسية. يتضمّن هذا العدد مقابلة حصرية مع رئيسة الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، رزان المبارك، التي شدّدت على أهمية مواءمة عمل الاتحاد مع الأجندات العالمية للتنوّع البيولوجي، وتعزيز الحوكمة والاستجابة لاحتياجات الأعضاء، وتفعيل الانخراط المتعدد الأطراف، وضمان الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا، ورفع أصوات المجتمعات المتنوعة في مسيرة حماية الطبيعة.

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

Critically Endangered Philippine Eagle © Nigel Voaden.

من الغابات إلى المستقبل: كيف تعيد الابتكارات رسم ملامح...

في اليوم الدولي للغابات، يقف العالم أمام واحدة من أهم ثرواته الطبيعية، ليس فقط للاحتفاء بها، بل...

جمعية حماية الطبيعة في بكركي: لقاء وطني بيئي يعزّز...

بكركي، لبنان – في محطة وطنية وبيئية بارزة، شاركت جمعية حماية الطبيعة في لبنان جمعية حماية الطبيعة...

أسراب اللقلق تحلّق فوق بكركي تزامناً مع زيارة بيئية...

في مشهد طبيعي استثنائي، تزامنت زيارة وفد شبكة أعضاء الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) إلى الصرح البطريركي...