في لحظة مفصلية بالنسبة للتنوع البيولوجي العالمي، اجتمع قادة العالم والعلماء والجهات الفاعلة في مجال حماية الطبيعة في البرازيل للمشاركة في الدورة الخامسة عشرة لمؤتمر أطراف اتفاقية حفظ الأنواع المهاجرة من الحيوانات البرية (CMS COP15)، حيث تتصدر قضية الأنواع المهاجرة جدول الأعمال الدولي في ظل مؤشرات مقلقة على تراجعها المتسارع.
وقبيل انعقاد القمة بأيام، كشف التقرير المرحلي لعام 2026 حول “حالة الأنواع المهاجرة في العالم” عن صورة مقلقة للضغوط المتزايدة التي تواجهها هذه الأنواع، نتيجة مزيج من الاستغلال المفرط وتدمير الموائل، إلى جانب التلوث وتغير المناخ وانتشار الأنواع الدخيلة.
وينعقد المؤتمر هذا العام تحت شعار “ربط الطبيعة للحفاظ على الحياة”، في وقت يكشف فيه تقرير عالمي جديد أن نحو 49% من الأنواع المهاجرة المدرجة تشهد انخفاضًا في أعدادها، فيما يواجه ما يقارب ربعها خطر الانقراض.
تعكس هذه الأرقام حجم التحديات المتراكمة التي تواجه الحياة البرية، من فقدان الموائل الطبيعية، والصيد غير المشروع، والتلوث، إلى تغير المناخ وتجزئة النظم البيئية، وهي عوامل تؤثر بشكل خاص على الأنواع المهاجرة التي تعتمد على مسارات بيئية مترابطة عبر القارات.
مؤتمر عالمي في توقيت حاسم
تستضيف البرازيل، إحدى أغنى دول العالم بالتنوع البيولوجي، هذا المؤتمر في مدينة كامبو غراندي، على تخوم منطقة البانتانال، أكبر الأراضي الرطبة الاستوائية في العالم. ويحمل اختيار هذا الموقع دلالة رمزية عميقة، إذ يعكس الطبيعة العابرة للحدود التي تميز الأنواع المهاجرة، والتي تعتمد في بقائها على سلامة الممرات البيئية الممتدة بين الدول.
ومن المتوقع أن يناقش المشاركون أكثر من 100 بند على جدول الأعمال، تتناول أبرز التهديدات التي تواجه الأنواع المهاجرة، بما في ذلك تدهور الموائل، والصيد العرضي في مصايد الأسماك، والتوسع العمراني والبنى التحتية، والتجارة غير المشروعة، إضافة إلى مخاطر ناشئة مثل التعدين في أعماق البحار. كما يُبحث إدراج 42 نوعًا إضافيًا ضمن قوائم الحماية، من بينها أنواع مهددة مثل القرش المطرقة الكبير والضبع المخطط.
لبنان في قلب مسارات الهجرة العالمية
تكتسب هذه المناقشات أهمية خاصة بالنسبة للبنان، الذي يقع على أحد أهم مسارات هجرة الطيور في العالم، حيث تعبر ملايين الطيور أجواءه سنويًا في رحلاتها بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، معتمدة على أراضيه كمحطات استراحة أساسية.
وفي هذا السياق، تبرز جهود الجمعية اللبنانية لحماية الطبيعة (SPNL)، التي تعتمد نموذج الحِمى كنهج مجتمعي رائد في إدارة الموارد الطبيعية، حيث تلعب المجتمعات المحلية دورًا محوريًا في حماية الموائل الطبيعية والأنواع المهاجرة، وتعزيز التوازن بين الإنسان والطبيعة.
وتؤكد هذه التجربة أن حماية الأنواع المهاجرة لا تقتصر على السياسات الدولية، بل تبدأ من المستوى المحلي، عبر الحفاظ على الأراضي الرطبة، والمناطق الساحلية، والممرات الجبلية، التي تشكل جزءًا من شبكة بيئية أوسع.
من الالتزامات الدولية إلى العمل الميداني
من بين المبادرات البارزة التي يشهدها المؤتمر، إطلاق أدوات علمية وتقنية جديدة لدعم جهود الحفظ، بما في ذلك تقييم عالمي لحالة الأسماك المهاجرة في المياه العذبة، ومنصات رقمية لرسم خرائط مسارات الهجرة، مثل “أطلس مسارات الطيور في الأميركيتين”.
كما يسعى المؤتمر إلى تعزيز الجهود الدولية لمكافحة الاستخدام غير المشروع وغير المستدام للأنواع المهاجرة، عبر تبني مقاربات قائمة على الاستدامة والقانون ومشاركة المجتمعات المحلية.
مسؤولية مشتركة تتجاوز الحدود
من المقرر أن تختتم أعمال المؤتمر في 29 آذار/مارس 2026، مع صدور قرارات من شأنها رسم ملامح السياسات البيئية العالمية في السنوات المقبلة. غير أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهونًا بمدى قدرة الدول والمجتمعات على ترجمة الالتزامات إلى إجراءات ملموسة على الأرض.
بالنسبة للجمعية اللبنانية لحماية الطبيعة وشركائها، الرسالة واضحة: حماية الأنواع المهاجرة تتطلب إعادة وصل النظم البيئية، وتعزيز دور المجتمعات المحلية، وتكثيف التعاون العابر للحدود.
في عالم تتزايد فيه مظاهر الانقسام، تذكّرنا الأنواع المهاجرة بحقيقة أساسية، أن الطبيعة مترابطة، وأن حمايتها مسؤولية مشتركة لا تحتمل التأجيل.






