في ظل الظروف الاستثنائية التي يشهدها لبنان، أطلقت بلدية القرعون واتحاد بلديات البحيرة نداءً عاجلاً لتأمين الدعم اللازم لمواجهة التحديات البيئية والإنسانية المتصاعدة في منطقة البقاع الغربي، نتيجة التدفق المتزايد للنازحين جراء الحرب في الجنوب.
وأكدت بلدية القرعون، التي تُعد منذ أكثر من عشر سنوات شريكاً أساسياً في مشروع “الحِمى”، في رسالة وجهتها إلى جمعية حماية الطبيعة في لبنان، أن هذا النموذج ساهم في حماية الموارد الطبيعية وتعزيز الإدارة المستدامة للبيئة في المنطقة. إلا أن الضغوط الحالية تجاوزت قدرات البلدية، إذ أدى النزوح المتزايد إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على الخدمات الأساسية، لا سيما إدارة النفايات وتأمين المياه.
وأشارت البلدية إلى أن كميات النفايات ارتفعت بشكل يفوق القدرة التشغيلية الحالية، بالتوازي مع زيادة ملحوظة في معدلات التلوث واستنزاف الموارد المائية، ما يشكل تهديداً مباشراً للبيئة والصحة العامة.
من جهته، أوضح رئيس اتحاد بلديات البحيرة أن التعاون مع جمعية حماية الطبيعة مكّن من إنشاء 15 محمية طبيعية ضمن مشروع “الحِمى”، تغطي نحو 75% من مساحة المنطقة، ما يعكس التزاماً راسخاً بحماية البيئة وتعزيز التنمية المستدامة. غير أن هذه المنظومة البيئية باتت اليوم تحت ضغط شديد نتيجة تداعيات النزوح.
وسلّط الاتحاد الضوء على مجموعة من التحديات البيئية الخطيرة، أبرزها شح المياه اللازمة لري الأشجار والمحميات، وتلوث مصادر المياه السطحية والجوفية، وتراكم النفايات الصلبة في ظل نقص خدمات الجمع والمعالجة، إضافة إلى تسرب المياه الآسنة وانتشار الأمراض، وتأثر الغطاء النباتي بالمواد الكيميائية والمعادن الثقيلة الناتجة عن القصف.
وحذّرت البلديات من أن هذه التطورات تشكل تهديداً مباشراً لصحة السكان والتوازن البيئي الذي جرى بناؤه على مدى سنوات من العمل المشترك.
وفي هذا السياق، دعت بلدية القرعون واتحاد بلديات البحيرة الجهات المانحة والمؤسسات المعنية إلى التحرك العاجل لتقديم الدعم في مجالات أساسية تشمل:
- تأمين مادة المازوت لضمان استمرارية الخدمات البلدية،
- دعم أجور العمال،
- تقديم مساعدات إنسانية للنازحين،
- وتعزيز قدرات إدارة النفايات وحماية الموارد المائية.
وأكدت البلديات أن التعاون والتضامن يشكلان السبيل الوحيد لتجاوز هذه الأزمة المركبة، مشددةً على أن الاستثمار في دعم البلديات اليوم هو استثمار مباشر في صمود المجتمعات المحلية وحماية البيئة في لبنان. كما شددت على ضرورة التحرك العاجل، إذ تقف منطقة البقاع الغربي اليوم على مفترق حاسم، حيث إن الاستجابة السريعة والفعّالة كفيلة بتفادي تدهور بيئي وإنساني أعمق، والحفاظ على نموذج “الحِمى” كركيزة أساسية للتنمية المستدامة في لبنان.
الحلول القائمة على الطبيعة تحت التهديد
في خضم هذه الأزمة، يبرز نظام الحِمى في لبنان كأحد النماذج القليلة الفاعلة والقابلة للتوسّع. هذا النظام، المتجذّر في تقاليد عمرها قرون من إدارة الموارد الطبيعية بقيادة المجتمعات المحلية، لا يُعدّ مجرد نموذج للحفاظ على البيئة، بل هو نظام حوكمة يربط بين حماية الطبيعة وسبل العيش والتماسك الاجتماعي.
واليوم، يوفّر هذا النموذج منصة جاهزة للاستجابة الإنسانية القائمة على الطبيعة، القادرة على معالجة النزوح، والتدهور البيئي، والاستقرار الاجتماعي في آنٍ واحد.
تترجم هذه المقاربة إلى تدخلات ميدانية متكاملة. فالدعم الطارئ في مجالي المياه والصرف الصحي، بما في ذلك خزانات المياه المتنقلة ووحدات التصفية، بات ضرورياً لتلبية الطلب المتزايد ومنع التلوث. كما تحتاج البلديات بشكل فوري إلى الوقود لضمان استمرار الخدمات الأساسية، من جمع النفايات إلى تشغيل البنى التحتية الحيوية.
وفي الوقت نفسه، تكتسب حماية البيئة أهمية محورية. إذ إن تراكم النفايات والتلوث في النظم البيئية الهشّة، مثل بحيرة القرعون وحوض نهر الليطاني، قد يؤدي إلى أضرار بيئية طويلة الأمد يصعب عكسها. ومن هنا، فإن حماية هذه الموارد ليست أمراً ثانوياً، بل جزء أساسي من الاستجابة الإنسانية.
كما توفّر برامج النقد مقابل العمل جسراً حيوياً بين الإغاثة والتعافي، من خلال إشراك المجتمعات المضيفة والنازحة في أنشطة إعادة التشجير، وتأهيل الأراضي الزراعية، واستصلاح الأراضي. وتساهم هذه المبادرات في توليد الدخل، والحد من التوترات، وتعزيز القدرة البيئية على الصمود.
ولا تقلّ الأبعاد الاجتماعية أهمية. فمن خلال إشراك الشباب، وتعزيز التوعية البيئية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي القائم على الطبيعة، تسهم جمعية حماية الطبيعة في لبنان في مساعدة المجتمعات على التكيّف مع الآثار النفسية للنزوح، لا سيما لدى الأطفال. وفي هذا السياق، تتحوّل الحِمى من مساحة للحفاظ على البيئة إلى فضاء للتعافي وإعادة بناء المجتمع.
إن هذه التدخلات تتجاوز الإغاثة الطارئة، فهي ضرورية لمنع وقوع أضرار بيئية لا رجعة فيها، ولضمان استدامة صمود المجتمعات في مواجهة أزمات متراكمة.
كلفة التقاعس
إن نافذة التدخل الفعّال تضيق بسرعة.
من دون تمويل فوري ودعم منسّق، تواجه الأنظمة البلدية خطر الانهيار. فقد يتوقف جمع النفايات بالكامل، ما يؤدي إلى تلوث واسع النطاق. كما أن نقص المياه وتراجع جودتها قد يتفاقمان ليصلا إلى مستوى أزمات صحية عامة شاملة. وقد يصبح الضرر البيئي غير قابل للإصلاح.
وفي الوقت نفسه، فإن تصاعد الضغط على الموارد يزيد من احتمالات التوترات الاجتماعية بين المجتمعات المضيفة والنازحين، ما يهدد الاستقرار العام.
في المقابل، يوفّر التدخل في الوقت المناسب بديلاً واضحاً، يتمثل في تثبيت الخدمات الأساسية، وحماية الموارد الطبيعية، واستعادة سبل العيش، والحفاظ على التماسك الاجتماعي.
دعوة للتحرك الآن
شبكة الحِمى في البقاع الغربي جاهزة للتحرك. إذ تمتلك البلديات المحلية والمجتمعات والجهات البيئية المعرفة والهياكل والثقة اللازمة للاستجابة السريعة.
ما ينقص هو التمويل العاجل.
إن الأزمة التي تتكشف في البقاع الغربي ليست إنسانية فحسب، بل هي أيضاً بيئية واجتماعية ومنهجية، حيث تعزز كل من هذه الأبعاد الأخرى. والتصدي لها يتطلب استجابة تجمع بين الإغاثة الطارئة والاستدامة.
ومع تزايد الضغوط، ترتفع كلفة التأخير.
الأنظمة قائمة، والمجتمعات جاهزة، والوقت للتحرك هو الآن.
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على Bluesky (فتح في نافذة جديدة) Bluesky
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على Mastodon (فتح في نافذة جديدة) Mastodon
- المشاركة على Nextdoor (فتح في نافذة جديدة) Nextdoor









يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.