من تسمانيا إلى أرز لبنان: الغابات التي شكّلت حياتي

رحلة ملهمة، من حراسة غابات أوستراليا إلى الريادة في تعزيز المناطق المحمية حول العالم، مع ارتباط عاطفي دائم بأرز لبنان

ديفيد شيبارد

من أجمل ذكرياتي في مجال حماية البيئة المشي بين أشجار الأرز المهيبة في لبنان خلال تسعينات القرن الماضي، برفقة أسعد سرحال، الناشط البيئي المميز ومؤسس جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL).

لطالما جذبتني الغابات الخلابة إلى العمل في مجال حماية البيئة. فقد نشأت في ولاية تسمانيا الأوسترالية، حيث تحظى 40% من مساحة البلاد بالحماية ضمن المتنزهات والمحميات الوطنية. ونشأتي في أحضان الطبيعة سهّلت عليّ اختيار مساري المهني وطريقة حياتي.

بعد التدرُّب والعمل كحارس غابات في تسمانيا، انضممت إلى هيئة المتنزهات الوطنية والحياة البرية في ولاية نيو ساوث ويلز. هناك شغلت مناصب مختلفة، بدءاً من العمل الميداني كحارس، وصولاً إلى العمل في الهيئة التنفيذية المسؤولة عن برامج الأبحاث والحياة البرية وحماية البيئة.

عام 1993 حظيتُ بوظيفة أحلامي مع الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) في غلاند، سويسرا، حيث توليتُ مسؤولية قيادة جهود الاتحاد في مجال المناطق المحمية والتراث العالمي، ودعم عمل لجنته العالمية للمناطق المحمية (WCPA)، وهي الشبكة الرائدة لخبراء العالم في هذا الاختصاص.

تضمنت وظيفتي دوراً في اتفاقية اليونسكو للتراث العالمي، باعتبار أن الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة هو الهيئة الاستشارية لمواقع التراث العالمي الطبيعية. واقتضى ذلك السفر لتقييم المواقع المقترحة والقائمة حول العالم، مثل جزر غالاباغوس في المحيط الهادئ ومنتزه سيرينغيتي الوطني في تنزانيا ومحمية إيفرغليدز في الولايات المتحدة وغيرها الكثير. وأتاح لي ذلك فرصة التواصل مع العديد من الرجال والنساء المتفانين حول العالم، الذين يعملون على حماية الطبيعة للأجيال الحالية والمستقبلية، وغالباً في ظروف صعبة.

عام  2009 انتقلتُ إلى منطقة المحيط الهادئ بصفتي المدير العام لأمانة برنامج البيئة الإقليمي (SPREP) في جزيرة ساموا الجميلة. وهو يُنفّذ برامج في جميع أنحاء المحيط الهادئ في مجالات التنوع البيولوجي، وتغير المناخ، وإدارة النفايات، والحوكمة البيئية. ومنذ مغادرتي هذا البرنامج عام 2016، أعمل كمستشار في مجال حماية البيئة على الصعيد الدولي، بالإضافة إلى الحوكمة المؤسسية.

ماذا تغيّر؟

إحدى أولى خطواتي بعد انضمامي إلى IUCN كانت إعداد تقرير بالتعاون مع زملائي عام 1994 بعنوان “المناطق المحمية في القرن الحادي والعشرين: التحديات الرئيسية”. وفي ما يلي إعادة نظر في بعض “التحديات المستقبلية” التي ذكرها التقرير لنرى ما تحقق:

كان التحدي الأول توسيع نظام المناطق المحمية القائم آنذاك، من منطقة صغيرة إلى شبكات تمثيلية من المناطق المحمية لصون التنوع البيولوجي والقيم الثقافية المتعلقة بها. هكذا توسعت المناطق المحمية من مساحة صغيرة نسبياً عام 1994 حين كانت تشكل 7% من المساحة الإجمالية، لتغطي اليوم حوالي 18% من مساحة اليابسة والمياه الداخلية و8% من مساحة المحيطات والمناطق الساحلية. وهذا تحول عالمي ملحوظ في استخدام الأراضي يعكس الالتزامات الوطنية والعالمية بحماية التنوع البيولوجي.

تمثّل التحدي الرئيسي الثاني في تحسين الإدارة الفعالة للمناطق المحمية. فبحلول عام 1994، تم تكريس العديد من المحميات، لكنها افتقرت إلى الإدارة الفعالة من حيث الكوادر المدربة والموارد الكافية وأنظمة الدعم الأساسية. بعبارة أخرى، كان العديد منها مجرد “منتزهات على الورق” وليس في الواقع. ومنذ ذلك الحين، تحسنت فعالية إدارة المناطق المحمية بشكل كبير، بفضل عدد من المبادرات الهامة، مثل “مبادرة فعالية الإدارة” و”القائمة الخضراء” للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة اللتين رفعتا معايير الإدارة، بما في ذلك من خلال بناء القدرات وتحسين الحوكمة.

التحدي الثالث كان ضرورة دمج المناطق المحمية في الامتدادات الطبيعية البرية والبحرية الأوسع مدى. فحتى عام 1994، كانت غالبية المحميات معزولة، أشبه بـجُزر ضمن المناظر الطبيعية الأشمل، مع تركيز التخطيط داخل حدودها. وقد تطلّب هذا الأمر تحولاً منهجياً جذرياً، للعمل بشكل أوثق مع الجهات المعنية خارج المناطق المحمية، والتخطيط ضمن سياق إقليمي أوسع، والتصدي بشكل أفضل للتهديدات الخارجية. وبحلول عام 2026، أصبح التخطيط للمناطق المحمية أكثر تكاملاً مع السياق الإقليمي، وتستند خطط إدارة معظمها الآن إلى التشاور الوثيق مع “الجيران” والجهات المعنية المتأثرة.

وكان التحدي الرابع زيادة التمويل للمناطق المحمية، إذ شكّل نقص الموارد المالية والبشرية تحدياً رئيسياً عام 1994. ومن المفرح رؤية التقدم منذ ذلك الحين، بما في ذلك من خلال أدوات تمويل مثل مرفق البيئة العالمي (GEF) وصندوق المناخ الأخضر. وكذلك من خلال تطبيق مجموعة أساليب مبتكرة لتحقيق الاستدامة المالية، مثل “مبادلة الديون بالطبيعة” والسندات الخضراء والزرقاء.

أما التحدي الخامس عام 1994 فكان تعزيز إشراك المجتمعات المحلية في المناطق المحمية، والابتعاد عن نهج الحماية البحتة التي غالباً ما ارتبطت بالعداء. وقد ازدادت مشاركة المجتمعات المحلية والشعوب الأصلية بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين، مدعومةً بأحداث رئيسية مثل المؤتمر العالمي للمنتزهات عام 2003، وأصبحت المناطق المحمية تُدار بشكل متزايد من قبل الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية ولصالحها، مثل “مناطق الحماية المجتمعية” و”المناطق البحرية المُدارة محلياً”. وساهمت هذه المناطق في استكمال وتعزيز الأنظمة التقليدية للمنتزهات الوطنية والمناطق المحمية، وحسّنت نتائج صون التنوع البيولوجي. وازدادت المناطق المحمية التي تُديرها جهات معنية أخرى، بما في ذلك القطاع الخاص مثل محميات الصيد الخاصة في جنوب أفريقيا، والمنظمات غير الحكومية مثل الحمى التي تنشئها جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) بالتعاون مع البلديات والمجتمعات المحلية.

لذا، من الإيجابي أن نلاحظ أنه تم التغلب على العديد من التحديات التي كانت تواجه المناطق المحمية عام 1994، مع أن هناك تحديات كبيرة باقية.

لبنان في البال

من خلال وظائفي المتنوعة، حظيت بفرص زيارة العديد من المواقع ذات الجمال الطبيعي الخلاب والتنوع البيولوجي الغني حول العالم. ولكن لا بد لي من الاعتراف بأن لأرز لبنان مكانة خاصة في قلبي، بما في ذلك محمية حرش إهدن ومحمية أرز الشوف.

زرتُ لبنان لأول مرة عام 1994 ضمن مشروع جديد ومثير لثلاث محميات طبيعية: حرش إهدن، وأرز الشوف، وجزر النخيل. ربط هذا المشروع بين حماية الطبيعة وجهود بناء السلام بعد الحرب الأهلية. في ذلك الوقت، كان العديد من دعاة حماية البيئة حول العالم يناقشون مفهوم “منتزهات من أجل السلام”، لكن لم تكن هناك أمثلة عملية تُذكر. فكان لبنان يُطبّق هذا النهج بالفعل، وكان بذلك رائداً عالمياً في هذا المجال. ومن السمات المبتكرة الأخرى لهذا المشروع المشاركة المباشرة للمنظمات غير الحكومية في إدارة كل منطقة من المناطق الثلاث بالشراكة مع الجهات الحكومية المعنية.

محمية حرش إهدن الطبيعية ومحمية أرز الشوف الطبيعية مكانان ساحران يضمّان غابات خلابة لأرز لبنان الذي كانت أشجاره منتشرة في المنطقة وذُكرت في النصوص القديمة، مما يجعلهما عنصراً هاماً في التراث الثقافي والطبيعي للبنان. وهما تتميزان بتنوعهما البيولوجي الغني وتحميان أنواعاً نباتية وحيوانية مميزة.

وكان لي شرف العمل مع العديد من حُماة البيئة اللبنانيين المتميزين في هذا المشروع، بمن فيهم أسعد سرحال وفيصل أبو عزالدين وغسان جرادي، بالإضافة إلى العديد من اللبنانيين المخلصين لحماية الطبيعة. وأخصّ بالشكر والتقدير جميع العاملين في جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL). فبفضل عملهم الدؤوب وتفانيهم تأمنت إدارة هذه المناطق الحيوية وحمايتها على النحو الأمثل لأجيال الحاضر والمستقبل.

ديفيد شيبارد، المدير السابق لبرنامج المناطق المحمية والتراث العالمي في الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN)، مستشار دولي في حماية البيئة والحوكمة المؤسسية 

 

 

مجلة الحمى العدد السابع

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان العدد السابع من مجلة الحِمى، مجددةً التزامها بتعزيز نهج الحماية المجتمعية للطبيعة، وترسيخ مكانة لبنان كدولة رائدة إقليمياً في مجال الحلول القائمة على الطبيعة. ويأتي هذا العدد الجديد في مرحلة مفصلية تتطلب تكثيف الجهود البيئية في لبنان والمنطقة، حيث يجمع بين الرؤى العلمية، والمعارف التقليدية، والخبرات العالمية تحت عنوان جامع هو: «من قمم الجبال إلى الساحل... حِمى تلو الأخرى».

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

SPNL وجامعة الروح القدس – الكسليك تبحثان شراكة استراتيجية...

خطت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) خطوة جديدة نحو تعزيز التكامل بين حماية الطبيعة، وصون التراث...

سفن من التراث

محمد عبدالله الحمادي في الماضي، كان صيد السمك واستخراج محار اللؤلؤ مصدر الدخل الوحيد لمعظم سكان الساحل. وكان...

حياكة الخوص

أم حميد المنصوري عشقتُ الخوص (ورق النخيل) منذ نعومة أظفاري، حين كنت أرى أهلي يعملون به. ثم احترفت...