جمعية حماية الطبيعة في لبنان تصدر دليلاً جديداً عن «حمى نيحا وحمى حردين»: قريتان شقيقتان وتراث حي مشترك

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) مطبوعة ثنائية اللغة تسلّط الضوء على «حمى نيحا» و«حمى حردين» بوصفهما نموذجين مترابطين يلتقي فيهما التنوع البيولوجي والتراث الثقافي والإيمان والمسؤولية المجتمعية تجاه الطبيعة.

تقع نيحا وحردين في مرتفعات قضاء البترون في شمال لبنان، وتقدمهما المطبوعة باعتبارهما «قريتين شقيقتين» تجمعهما الجغرافيا والثقافة والتراث الديني، إلى جانب ما يقارب ثلاثة آلاف عام من التاريخ المقدس.

فالمعبد الفينيقي الذي يتوّج جرف نيحا ومعبد ميركوري الروماني في حردين يقعان على التكوين الجيولوجي والسلسلة الجبلية نفسيهما. وهما يرويان، إلى جانب المعالم الطبيعية والتاريخية الأخرى، قصة مجتمعين تشكّلت هويتهما من الجبال والغابات والينابيع والمدرجات الزراعية والمواقع الأثرية ودور العبادة.

إحياء الحمى بوصفه نهج حياة

تحمل المطبوعة عنوان «حماة الحمى: نهج حياة – حمى نيحا وحمى حردين»، وتعرّف بنهج الحمى بوصفه نموذجاً مجتمعياً يهدف إلى حماية الموارد الطبيعية والثقافية وإدارتها بصورة مستدامة، بالتوازي مع دعم التنمية المحلية.

ولا يُقدَّم الحمى في المطبوعة على أنه مجرد منطقة محمية، بل باعتباره منظومة حية للإدارة والمسؤولية المشتركة، تشارك فيها البلديات والسكان والمزارعون والشباب والجمعيات المحلية وأبناء الاغتراب، إلى جانب الشركاء الوطنيين والدوليين.

وقد أُعلنت كل من نيحا وحردين حمىً في عام 2026، ما فتح فصلاً جديداً من التعاون بين البلديتين والمجتمعين المحليين وجمعية حماية الطبيعة في لبنان.

حمى نيحا: الأرز والمياه والتنوع البيولوجي

تقع نيحا على ارتفاع يتراوح بين 1,300 و1,850 متراً عن سطح البحر، وتحيط بها غابة أرز عتيقة ومدرجات زراعية خصبة وينابيع جبلية وموائل طبيعية غنية بالحياة البرية.

توثّق المطبوعة الأهمية البيئية لغابة أرز نيحا، التي تحمي التربة الجبلية، وتغذي مخزون المياه الجوفية، وتؤوي أنواعاً متعددة من النباتات والكائنات البرية، كما تساهم في التخفيف من آثار التغير المناخي.

وتحتل نيحا موقعاً استراتيجياً على مسار الهجرة الأفريقي–الأوراسي، وهو أحد أبرز مسارات هجرة الطيور في العالم. ومن بين أهداف حمى نيحا إنشاء أرض رطبة جبلية مرتفعة توفر المياه والغذاء والمأوى للطيور المهاجرة، وتساهم في حماية النظام البيئي الجبلي وتعزيز التنوع البيولوجي.

وتعرض المطبوعة رؤية تنموية متكاملة للبلدة، تشمل إنشاء منتزه بوابة السلام الإبراهيمي، وحدائق نباتية، ومسارات للمشي ومراقبة الطيور، إلى جانب تسلق الصخور، والمشي على الثلج، والزراعة العضوية، والأسواق المحلية، وبرامج التوعية البيئية، وتجارب السياحة المسؤولة التي يقودها أبناء المجتمع المحلي.

كما تتضمن المطبوعة مخططاً توجيهياً لخمس وعشر سنوات يهدف إلى الحفاظ على نيحا بوصفها قرية تقليدية منتجة، مع توفير فرص عمل مستدامة للمزارعين ومربي المواشي ومنتجي الألبان والمرشدين والعاملين في المنتزهات، إضافة إلى دعم النساء والشباب.

حمى حردين: حيث يلتقي الإيمان بالتاريخ والطبيعة

تقع حردين على ارتفاع يتراوح بين 1,100 و1,465 متراً عن سطح البحر، وتتميز بمزيج استثنائي من التراث الديني والأثري والطبيعي.

وتصف المطبوعة هذه الميزة بـ**«السياحة المثلثة»**، التي تجمع في بلدة واحدة بين السياحة الدينية والسياحة التاريخية والأثرية والسياحة البيئية والطبيعية.

تُعرف حردين بأنها مسقط رأس القديس نعمة الله كساب الحرديني، كما تحتضن أكثر من ثلاثين كنيسة وديراً ومحبسة وموقعاً مقدساً. ويشمل تراثها الروحي أماكن عبادة محفورة في الصخور، ومواقع تاريخية للحج، ومعالم دينية توثق قروناً طويلة من التاريخ المسيحي.

ويوازي ذلك إرث أثري بالغ الأهمية، إذ ينتصب معبد ميركوري الروماني على أعلى قمم البلدة، فيما تنتشر المدافن والنواويس الفينيقية والرومانية المنحوتة في الصخور المحيطة.

وتشكّل غابات حردين وأجرافها الصخرية ومدرجاتها الزراعية وسهولها الخصبة ونباتاتها المحلية بُعداً بيئياً أساسياً في هذا المشهد الثقافي. وتبرز المطبوعة أهمية تعزيز إدارة غابة سنديان حردين، واستعادة الموائل الطبيعية، ورصد التنوع البيولوجي، والوقاية من حرائق الغابات، وحماية الأنواع المحلية.

كما تدعو إلى توسيع برامج التوعية البيئية من خلال مبادرة «مدرسة بلا جدران» (SNOW) التابعة لجمعية حماية الطبيعة في لبنان، وتشجيع مشاركة المجتمع المحلي في الرصد البيئي والتوثيق العلمي.

حماية الطبيعة وخلق فرص العمل

تتمثل إحدى الرسائل الأساسية للمطبوعة في أن حماية الطبيعة والتراث يجب أن تنعكس بصورة مباشرة على حياة السكان وسبل عيشهم.

لذلك، تضع الخطط التنموية لحمى نيحا وحمى حردين فرص العمل والاقتصاد المحلي في صميم جهود الحماية. وتشمل المبادرات المقترحة تدريب المرشدين المحليين وحراس الغابات، ودعم بيوت الضيافة والمؤسسات المجتمعية، وتطوير المنتجات الزراعية المحلية، وترميم المواقع التاريخية، وتحسين خدمات الزوار، وخلق فرص جديدة للنساء والشباب.

وتبيّن المطبوعة أن حماية الريف يمكن أن تساعد المجتمعات على البقاء في أرضها، والحفاظ على معارفها التقليدية، وبناء اقتصادات محلية أكثر قدرة على مواجهة الضغوط البيئية والاجتماعية والاقتصادية.

الزراعة المستدامة وتنشيط الاقتصاد الريفي

تولي المطبوعة أهمية خاصة لإحياء الزراعة التقليدية والمستدامة في القريتين، من خلال إعادة تأهيل المدرجات الحجرية، وتحسين أنظمة الري، وحصاد مياه الأمطار، واستخدام الطاقة المتجددة، ودعم الإنتاج العضوي.

وتشمل الرؤية تطوير منتجات زراعية ذات قيمة مضافة، والحصول على الشهادات العضوية، وإطلاق علامات تجارية محلية، وتحسين تسويق الزيتون والعنب والسفرجل ومنتجات الألبان وغيرها من المحاصيل والمنتجات الريفية.

ومن شأن هذه الخطوات زيادة دخل المزارعين، وتعزيز دور التعاونيات، وتشجيع الشباب على العودة إلى الأرض، وتحويل الموارد الطبيعية والثقافية المتاحة إلى مشاريع منتجة ومستدامة.

دعوة إلى الشراكة والدعم

تدعو جمعية حماية الطبيعة في لبنان وبلديتا نيحا وحردين المؤسسات العامة والجامعات والمنظمات البيئية والثقافية وأبناء الاغتراب والجهات المانحة والقطاع الخاص المسؤول إلى المساهمة في تطوير موقعي الحمى.

وتشمل الأولويات رصد التنوع البيولوجي، واستعادة الموائل الطبيعية، والوقاية من الحرائق، وتأهيل البنية التحتية للمياه، واستخدام الطاقة المتجددة، ودعم التعليم البيئي، وترميم المواقع الأثرية والدينية، وتطوير الزراعة المستدامة والسياحة المجتمعية ومسارات المشي ومراكز الزوار.

ومن خلال هذه الاستثمارات والشراكات، يمكن لحمى نيحا وحمى حردين أن تتحولا إلى نموذجين وطنيين وإقليميين رائدين يبرهنان أن حماية التنوع البيولوجي وصون التراث الثقافي والسياحة المسؤولة وتحسين سبل العيش المحلية يمكن أن تتكامل لبناء مستقبل ريفي مزدهر وقادر على الصمود.

وتختصر المطبوعة الجديدة جوهر هذه الرؤية: قريتان شقيقتان، تجمعهما الجغرافيا والتاريخ، ويتعاون أهلهما لحماية تراث حي مشترك ونقله إلى الأجيال المقبلة.

تحميل مطبوعة «حماة الحمى: نهج حياة – حمى نيحا وحمى حردين»

Download “Homat Al Hima: The Way of Life – Hima Niha / Hima Hardine”


View or download the publication

مجلة الحمى العدد السابع

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان العدد السابع من مجلة الحِمى، مجددةً التزامها بتعزيز نهج الحماية المجتمعية للطبيعة، وترسيخ مكانة لبنان كدولة رائدة إقليمياً في مجال الحلول القائمة على الطبيعة. ويأتي هذا العدد الجديد في مرحلة مفصلية تتطلب تكثيف الجهود البيئية في لبنان والمنطقة، حيث يجمع بين الرؤى العلمية، والمعارف التقليدية، والخبرات العالمية تحت عنوان جامع هو: «من قمم الجبال إلى الساحل... حِمى تلو الأخرى».

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

إطلاق منتزه «حِمى نيحا» في البترون خلال منتدى «حماة...

– برعاية وحضور وزيرة الشباب والرياضة الدكتورة نورا بايراكداريان، أُقيم في بلدة نيحا في قضاء البترون، شمال...

نداء من أجل دعم مبادرات الحفظ بقيادة المجتمعات المحلية

خلال إعلان «حديقة البطاركة – الديمان» حِمىً ضمن وادي قاديشا في 6 آب/أغسطس 2026، قدّم المدير العام...

حفل عشاء خيري لدعم «حمى حردين» يحتفي بالإيمان والثقافة...

جمعية حماية الطبيعة في لبنان وبلدية حردين تجمعان الأهالي والشركاء والمغتربين لحماية التراث الطبيعي والثقافي للبلدة ودعم...