حُماة طيور العالم: نظرة من داخل فريق العلوم في بيردلايف إنترناشونال

BirdLife International شراكة عالمية تُكرّس جهودها لإنقاذ الطيور وموائلها وتضم منظمات بيئية في أكثر من 120 دولة، بما فيها جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL). وهي المرجع العالمي لحالة أنواع الطيور. ويعمل فريقها العلمي العالمي على جمع البيانات من آلاف الخبراء والشركاء وملايين المراقبين حول العالم.

التقينا الدكتور ستيوارت بوتشارت، كبير العلماء ومدير قسم العلوم في بيردلايف إنترناشونال، لنتعرف على كيفية عمل المنظمة في تقييم حالة طيور العالم، وتحديد المواقع الحيوية للحماية، ودعم شركائها المحليين.

يحظى كل نوع من أنواع الطيور على وجه الأرض – وعددها أكثر من 11,000 نوع — برعاية فريق عالمي صغير ومتفانٍ في مقر منظمة BirdLife International في مدينة كيمبريدج البريطانية. يدعم هذا الفريق شركاء حماية البيئة على المستوى الوطني في أنحاء العالم، ويُقدّم الدعم العلمي لتقييمات الطيور في “القائمة الحمراء” للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN)، وهي أشمل تقييم لمخاطر الانقراض في العالم.

يقول رئيس الفريق الدكتور ستيوارت بوتشارت لمجلة “الحمى”: “يتمثل دورنا في الدعم والتنسيق وجمع التبرعات لعمل شركاء بيردلايف حول العالم، ونجري أبحاثاً علمية لدعم برامج بيردلايف لصون الطبيعة والأنواع، وندعم مبادرات السياسات، ونقود جهود الحماية على المستوى الدولي”.

يضم قسم العلوم في بيردلايف نحو 35 موظفاً. ويتمثل جزء كبير من عمله في تقييم حالة صون جميع أنواع الطيور المعروفة لتصنيفها في القائمة الحمراء. ويتضمن ذلك استخدام معايير تتعلق بحجم التجمعات والتوزع الجغرافي ومعدل التراجع، لتصنيف الأنواع ضمن فئات تتراوح من “غير مهدد” إلى “مهدد بالانقراض بشكل حرج” أو “منقرض”. ويجمع الفريق البيانات من المنشورات العلمية، والتقارير غير المنشورة، وشبكة عالمية من الخبراء، وشركاء بيردلايف، ومنصات العلوم التشاركية مثل eBird التي تضم الآن أكثر من ملياري مشاهدة. (من اللافت أن 80% من جميع البيانات في مرفق المعلومات العالمي للتنوع البيولوجي (GBIF) تأتي الآن من eBird).

بعد جمع البيانات يتم تطبيقها على معايير القائمة الحمراء. فإذا اختلف تصنيف نوع ما عن تقييمه السابق، يُنشر اقتراح على منتدى إلكتروني لتعديل وضعه. وتتيح هذه العملية لأي شخص أن يساهم، وليس فقط علماء الطيور. بعد ذلك يتم إدخال جميع البيانات والمبررات في قاعدة بيانات “خدمة معلومات الأنواع” التابعة للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، وتُراجع التقييمات من قِبَل الاتحاد قبل نشرها على موقع القائمة الحمراء الإلكتروني ومنصة بيانات بيردلايف (https://datazone.birdlife.org/).

لتقييمات الطيور تاريخ طويل جداً. في تشرين الأول (أكتوبر) 2025 أكملت بيردلايف تقييمها الشامل الثامن لجميع أنواع الطيور المعروفة والبالغ عددها نحو 11,100 نوع، وهو مستوى تغطية لا تُضاهيه أي مجموعة تصنيفية أخرى. وتُساهم شعبية الطيور في ذلك. يشير الدكتور بوتشارت إلى أنه “يوجد 45 مليون مراقب طيور في الولايات المتحدة وحدها، و40 ألفاً في البرازيل، على سبيل المثال لا الحصر”. ويضيف: “بالمقارنة، تصعب دراسة العديد من الثدييات، مثل القوارض الصغيرة والخفافيش، ولم يتم توصيف معظم الحشرات والنباتات رسمياً. في المقابل، تم اكتشاف وتوصيف الغالبية العظمى من أنواع الطيور في العالم، ومعظمها معروف بشكل معقول من حيث توزعها وبيئتها وحالتها”.

 

المناطق المهمة للطيور والتنوع البيولوجي

غالباً ما يكون الحفاظ على المواقع هو الاستراتيجية الأكثر فعالية لصون الأنواع المهددة بالانقراض المُدرجة في القائمة الحمراء، فضلاً عن الأنواع الأخرى التي تستدعي الاهتمام. وقد كانت منظمة بيردلايف رائدة في تحديد المناطق المهمة للطيور والتنوع البيولوجي (IBAs)، وهي مواقع أساسية لاستدامة أعداد الطيور. وهذا ما فتح الباب لإطلاق مبادرات مماثلة لأنواع أخرى (مثل مناطق الفراشات الرئيسية، والمناطق النباتية المهمة، ومناطق التنوع البيولوجي المهمة للمياه العذبة…)، ما تسبب بكثير من التعقيد والارتباك لدى صانعي القرار والباحثين ومستخدمي المعلومات. ولذلك، تعاونت بيردلايف مع الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة لتطوير معيار مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية (KBAs)، الذي يوفر نظاماً علمياً متيناً وموحداً لتحديد المواقع الهامة لجميع المجموعات التصنيفية والنظم البيئية. وتشارك بيردلايف في استضافة أمانة مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية في الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، وساعدت في تأسيس شراكة مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية (KBA Partnership) التي تجمع منظمات حماية البيئة العالمية من أجل تحديد هذه المناطق وحمايتها.

باتت مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية تؤثر بشكل متزايد على القرارات المالية والسياسية. وتستخدم المؤسسات المالية والبنوك الدولية أداة التقييم المتكامل للتنوع البيولوجي (IBAT) التي طورتها بيردلايف وثلاث منظمات بيئية رئيسية أخرى، للتدقيق في طلبات القروض ومشاريع البنية التحتية التي تقع الـKBAs في نطاقها، لضمان عدم إلحاق مشاريع مثل السدود الكهرمائية أو الطرق ضرراً بالتنوع البيولوجي الحرج. ويؤثر ذلك على قرارات استثمارية بمليارات الدولارات، مما يخلق حافزاً قوياً لتحديد وحماية مواقع التنوع البيولوجي المهمة.

يعمل فريق بيردلايف العلمي أيضاً في البيئة البحرية. فهناك العديد من الطيور البحرية التي تقضي جزءاً كبيراً من حياتها في أعالي البحار بعيداً عن الشاطئ، مما يجعل رصدها صعباً. وتدير بيردلايف “قاعدة البيانات العالمية لتتبّع الطيور البحرية” التي تضم أكثر من 75 مليون نقطة بيانات عن 280 نوعاً، مستمدة من استخدام أجهزة التتبّع عبر الأقمار الاصطناعية من قبل باحثين حول العالم. ومن خلال مقارنة تحركات الطيور البحرية ببيانات سفن الصيد لدى برنامج مراقبة الصيد العالمي، يحدد الفريق المناطق العالية الخطورة للصيد العرَضي، ويتعاون مع مصايد الأسماك لتنفيذ تدابير التخفيف من هلاك الطيور، مثل استخدام خيوط خاصة لإبعادها، أو نصب الشباك ليلاً.

إضافة إلى ذلك، يجري الفريق أبحاثاً حول تأثيرات تغير المناخ، وإدارة الأنواع الغازية، وتحديد أولويات الإجراءات التي تفيد التنوع البيولوجي. وتُنشر نتائج كل هذه الأعمال على منصة بيانات بيردلايف (https://datazone.birdlife.org/) ويتم تحليلها في التقرير الرئيسي للمنظمة بعنوان “حالة طيور العالم”.

يقول الدكتور بوتشارت: “تُخبرنا الطيور عن حالة الطبيعة في جميع أنحاء الأرض، والتهديدات والضغوط التي تواجه الكوكب، والحلول المطلوبة”.

 

كيف تعمل شراكات بيردلايف العالمية؟

تكمن قوة بيردلايف في شبكتها العالمية. يُقدّم الشركاء معلومات حول انخفاض أعداد الطيور، وفقدان الموائل، والتهديدات مثل الصيد وغيره. فتدمج بيردلايف هذه الملاحظات مع البيانات العالمية لتقييم خطر الانقراض وتحديد أولويات إجراءات الحماية. وفي المقابل، يتلقى الشركاء الدعم لتحديث قوائم المواقع ومراقبة مناطق التنوع الرئيسية وتأمين التمويل. على سبيل المثال، قدم صندوق بيزوس (Bezos Earth Fund) منحة بملايين الدولارات دعمت شركاء بيردلايف لتحديث بيانات مناطق التنوع الرئيسية في جبال الأنديز وحوض الكونغو.

وينفذ الشركاء مشاريع عملية في مجال الحفاظ على البيئة، ويقدمون بيانات عن الأنواع والمواقع، ويضطلعون بحملات توعية ومناصرة على المستوى الوطني. وقد طورت الشراكة العالمية استراتيجية مشتركة ومجموعة موحدة من برامج الحماية. وتدعم بيردلايف الحكومات أيضاً للوفاء بالتزاماتها بموجب الإطار العالمي للتنوع البيولوجي، من خلال توفير المؤشرات والبيانات اللازمة لإعداد التقارير الوطنية.

يقول الدكتور بوتشارت: “تساعد بيردلايف الشركاء على اتخاذ قرارات مدروسة، فالحماية الفعالة تتطلب البحث العلمي الدقيق والشراكات القوية”.

 

الحمى والصيد المستدام

جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) تُمثّل منظمة بيردلايف باعتبارها شريكها الوطني، ويدعمها الفريق العالمي في تنفيذ مشاريع الحماية، وتحديث مناطق الطيور الهامة ومناطق التنوع البيولوجي الرئيسية، والمساهمة في مناقشة السياسات الدولية. وتتمثل المبادرة الرئيسية للجمعية بإحياء نظام الحمى التقليدي، حيث يدير المجتمع المحلي المنطقة المحمية ويراعى الاستخدام المستدام للموارد من خلال دمج المعارف التقليدية مع العلوم الحديثة. ويعترف القانون اللبناني بالحمى كإحدى الفئات الأربع للمناطق المحمية. فكيف يُساهم ذلك في الحفاظ على مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية (KBAs) التي لا يجوز للعالم أن يخسرها؟

يوضح الدكتور بوتشارت: “تُقدّم مواقع الحمى نموذجاً قوياً للحفاظ على الـKBAs، سواءً كمناطق محمية معترف بها أو كإجراءات فعّالة أخرى تعتمد على المناطق (OECMs) معترف بها عالمياً. وهي أمثلة رائعة على المناهج الوطنية أو الإقليمية للحفاظ على البيئة خارج نطاق المحميات، لأنها تُساعد في حماية التنوع البيولوجي مع احترام أنظمة الإدارة التقليدية”.

تدمج بيردلايف العلوم والمعرفة المحلية وتدعم السياسات الرامية إلى حماية الطيور والتنوع البيولوجي في أنحاء العالم. ويُعدّ الاستغلال غير المستدام، بما في ذلك الصيد، من أكبر التهديدات التي تواجه طيور العالم. لكن العديد من المجتمعات تعتمد على صيد الطيور والحيوانات البرية أو على جمع موارد الغابات لكسب عيشها. فكيف تتعامل بيردلايف مع الصيد في جهودها للحفاظ على البيئة؟

يقول بوتشارت: “يُمثّل الصيد تهديداً كبيراً عندما يكون غير مستدام، لكنه ذو أهمية ثقافية في العديد من المجتمعات، ولذا يجب أن تكون مستويات الصيد مستدامة. إن تحديد أنواع وأعداد الطرائد المسموح بصيدها يكون أكثر فعالية عندما تُشارك المجتمعات المحلية في القرار، بدلاً من فرضه من أعلى إلى أسفل. فالتطبيق صعب ما لم يقتنع الناس”. على سبيل المثال، في لبنان، نحو 300 ألف صياد. ويمكن للسلطات التعاون مع المجتمعات المحلية لتحديد الحصص والضوابط التي تحافظ على أعداد الطيور مع احترام الممارسات الثقافية.

ويختم الدكتور بوتشارت قائلاً: “تقرير الحدّ المستدام يتطلب استخدام العلم، لكن تطبيقه يتطلب علاقات اجتماعية فعّالة مع المجتمعات المحلية، وهذا ليس بالأمر السهل. إنه تحدٍ كبير، لكن لا بدّ من مواجهته”.

مجلة الحمى العدد السابع

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان العدد السابع من مجلة الحِمى، مجددةً التزامها بتعزيز نهج الحماية المجتمعية للطبيعة، وترسيخ مكانة لبنان كدولة رائدة إقليمياً في مجال الحلول القائمة على الطبيعة. ويأتي هذا العدد الجديد في مرحلة مفصلية تتطلب تكثيف الجهود البيئية في لبنان والمنطقة، حيث يجمع بين الرؤى العلمية، والمعارف التقليدية، والخبرات العالمية تحت عنوان جامع هو: «من قمم الجبال إلى الساحل... حِمى تلو الأخرى».

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

Martin Harper: “In Praise of Hima” — BirdLife International...

Martin Harper: “In Praise of Hima” — BirdLife International CEO Highlights Lebanon’s Community Conservation Model Following his participation...

الحلول القائمة على الطبيعة… استثمار في البيئة والإنسان لمواجهة...

في ظل تصاعد آثار تغير المناخ، وتدهور النظم البيئية، وتزايد مخاطر الكوارث، تتجه الأنظار عالمياً نحو الحلول...

وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين تؤيد مقترح جمعية حماية...

مقتطفات من كتاب تأييد وزيرة البيئة في لبنان، الدكتورة تمارا الزين، لمقترح مشروع تشغيل محمية وادي نهر...