دروس لتأسيس محمية محيط حيوي

مقابلة مع فولفغانغ شاتز مدير محمية إنتلبوخ

في شتاء 2025 زار مدير عام SPNL أسعد سرحال محمية إنتلبوخ، والتقى مديرها فولفغانغ شاتز، الذي نقل إليه خبرة 25 عاماً في تأسيس وإدارة أول محمية محيط حيوي في سويسرا. هنا مقتطفات من الحوار

ما الذي يُميّز محمية إنتلبوخ عن غيرها من محميات المحيط الحيوي حول العالم؟

هناك عدة جوانب فريدة ميّزت إنشاء محمية إنتلبوخ. فقبل ثلاثين عاماً كانت المنطقة تزخر بصناعة سياحية إقليمية متنامية وقطاع زراعي قوي. وانطلاقاً من مبادرة شعبية، فُرضت حماية وطنية على الأراضي الخثّية الرطبة (peatlands)، ولا سيما المستنقعات التي تكدست فيها النباتات المتحللة بكثافة. وإذ تضم إنتلبوخ أكبر تجمّع للأراضي الخثّية في سويسرا، سادت مخاوف من فرض قيود مشددة على السياحة والزراعة ضمن تدابير الحماية، ما قد يحرم هذه المنطقة غير المحظوظة اقتصادياً من التنمية والتطور. ولحسن الحظ، طُرحت فكرة تحويل هذه القيود إلى مزايا من خلال إنشاء محمية محيط حيوي، وحظيت بموافقة أكثر من 96% من المواطنين في استفتاء شعبي. وبحسب علمي، كانت أول محمية محيط حيوي تُنشأ بناءً على تصويت شعبي.

 

ما هي القواعد والأنشطة المحددة في محمية المحيط الحيوي؟

تُقسّم محمية اليونسكو للمحيط الحيوي إلى ثلاث مناطق، لكل منها وظيفة محددة:

المنطقة الأساسية (core zone) هي الأكثر حمايةً. هدفها الرئيسي الحفاظ على النظم البيئية والأنواع الحية والتنوع البيولوجي على المدى الطويل. تُقيّد فيها الأنشطة البشرية بشكل كبير وتقتصر عموماً على البحث العلمي والرصد وأعمال الحماية. ويُمنع القيام بأنشطة مثل استخراج الموارد والبناء والزراعة والسياحة الجماعية. هذه المناطق محمية بموجب القانون.

المنطقة العازلة (buffer zone) تُحيط بالمنطقة الأساسية أو تُجاورها وتحميها من الضغوط الخارجية. يُسمح فيها بالأنشطة التي تتوافق مع أهداف الحفظ، بما في ذلك التوعية البيئية والسياحة البيئية والبحوث التطبيقية والممارسات المستدامة لاستخدام الأراضي مثل الزراعة التقليدية أو الحراجة. وتُدار جميع الأنشطة بعناية لضمان الحد الأدنى من التأثير البيئي. ونحن في منطقتنا معنيون بالزراعة والسياحة المستدامتين.

المنطقة الانتقالية (transition zone) هي المنطقة الخارجية والأكثر مرونة، حيث تعيش المجتمعات المحلية وتعمل، وهدفها الرئيسي تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. يُسمح فيها بأنشطة مثل الزراعة والسياحة والإسكان والصناعات المحلية، بشرط أن تلتزم بمبادئ الاستدامة وتدعم حماية البيئة.

تُظهر هذه المناطق الثلاث مجتمعةً كيف يمكن أن تتعايش حماية البيئة مع التنمية البشرية، مما يجعل محميات المحيط الحيوي مختبرات حية للتنمية المستدامة.

 

بالطبع واجهتم تحديات في كسب تأييد المجتمع المحلي، فكيف تم التغلب عليها؟ وكيف أشركتم مختلف الجهات المحلية (المزارعين، والشركات، والبلديات، والسياح) في التخطيط والإدارة؟

أنشأنا هيكليات متنوعة لإشراك السكان المحليين. أولاً، محمية إنتلبوخ المحيط الحيوي مملوكة لاتحاد البلديات الواقعة ضمنها. من خلال هذا الهيكل التنظيمي بهيئتيه الإداريتين – جمعية المندوبين (الهيئة التشريعية) والمجلس (الهيئة الاستراتيجية) – يشارك السكان المحليون والممثلون السياسيون في القرارات، لا سيما الاستراتيجية.

ثانياً، طبقنا نهجاً تشاركياً من خلال منتدياتنا التي تتناول مواضيع مثل الزراعة، والغابات، والتعليم، والثقافة، والسياحة، والطاقة. هذه المنتديات هي ذاتية التنظيم، بشرط تمثيل المحمية فيها، وتُدمج مقترحاتها في خطط المحمية.

أخيراً، وهذا هو الأهم، نحافظ على تواصل وحوار مفتوحين مع السكان المحليين، ونقدم تحديثات منتظمة حول أنشطة المحمية مع شرح أسبابها وغاياتها.

 

تدعم علامةEcht Entlebuch  التجارية أكثر من 300 منتج. فكيف تُساعد المزارعين والمنتجين المحليين على المنافسة في السوق؟

كان إطلاق هذه العلامة وصفةً للنجاح. فهي تضمن للمستهلكين منتجاً إقليمياً من محمية محيط حيوي، يفي بمعايير الاستدامة والإنتاج العضوي الإلزامي. لا يُمكن للمنتجين الحصول على العلامة إلا إذا اتفقوا مع المحمية على الالتزام بأهداف الاستدامة. وبالنسبة إلى شريحة كبيرة من المستهلكين في سويسرا، تُعدّ المنتجات الإقليمية عاملاً أساسياً في قرارات الشراء، فهم يُفضّلون منتجاً من مزرعة محلية على منتج من مناطق أخرى في سويسرا أو إسبانيا أو الولايات المتحدة.

في الوقت نفسه، أنشأنا شبكة توزيع تبيع المنتجات في أنحاء البلاد وتُوفّرها لسلاسل المتاجر الكبرى. هذه الفرص لم تكن لتُتاح للمنتجين الأفراد لولا المحمية.

 

كيف غيّر إنشاء المحمية هوية المنطقة واقتصادها مع الزمن؟

كانت المنطقة تُعتبر “أرض الفقراء” في الكانتون (المقاطعة) نظراً لمحدودية بنيتها التحتية وندرة الفرص الاقتصادية فيها، باستثناء الزراعة والغابات وقطاع السياحة الشتوية المحدود. وقد أدى ذلك إلى هجرة مستمرة، لا سيما من فئة الشباب ذوي التعليم العالي. لكنها شهدت نمواً اقتصادياً ملحوظاً بفضل كونها محمية محيط حيوي، فتوقفت الهجرة، والآن نشهد تدفقاً لسكان جدد. وقد أظهرت دراسة حديثة أن عدداً أكبر من السياح يزور المنطقة لأن محمية المحيط الحيوي تقدم قيمة مضافة تبحث عنها فئة معينة من السياح.

إضافةً إلى الجوانب الاقتصادية، استفادت الطبيعة بشكل كبير منذ إعلان المحمية. فنحن لا نحافظ على التنوع البيولوجي فحسب، بل نعمل على تعزيزه وتحسين المناظر الطبيعية والموائل.

ومن الآثار اللافتة موقف السكان المحليين تجاه المشروع. فقد ساهمت محمية المحيط الحيوي في توطيد العلاقات بين سكان المنطقة وتعزيز رؤية مشتركة، وباتت مصدر فخر واعتزاز لهم.

 

تعتبر محمية إنتلبوخ بمثابة “مختبر حي”. كيف يمكن دمج المدارس والجامعات المحلية لضمان التزام الجيل القادم بأهدافها؟

في رأيي، التعليم والبحث العلمي عاملان أساسيان لنجاح محمية المحيط الحيوي بشكل مستدام. فالتعليم يُتيح لنا شرح المهام والتدابير وعرضها بطريقة مفهومة. وإشراك المدارس المحلية بالغ الأهمية، إذ يُمكن دمج التعليم المتعلق بالمحمية والاستدامة في المناهج الدراسية. أما البحث العلمي، فيُمكنه توثيق التغيرات علمياً وتقديم مناهج فعّالة لحل المشكلات. وهذا يتطلب الخبرة العلمية للجامعات، مع إشراك أصحاب المصلحة المحليين بالتخصصات المتعددة وعلم المواطن (citizen science).

 

لُقّب لبنان بسويسرا الشرق. ما هي أهم الدروس المستفادة من تجربة إنتلبوخ التي يُمكن تطبيقها عند إنشاء محمية محيط حيوي في لبنان؟

المشاركة! إن إشراك السكان أمر بالغ الأهمية، إذ يجب أن يدعموا الفكرة ويعتبروها مسؤوليتهم ومستقبلهم.

 

 

مجلة الحمى العدد السادس

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) العدد السادس من مجلة "الحمى"، والذي يركّز على المؤتمر العالمي لحماية الطبيعة التابع للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) المزمع عقده في أبوظبي بين 8 و15 تشرين الأول 2025، حيث ستشارك الجمعية في أربع جلسات رئيسية. يتضمّن هذا العدد مقابلة حصرية مع رئيسة الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، رزان المبارك، التي شدّدت على أهمية مواءمة عمل الاتحاد مع الأجندات العالمية للتنوّع البيولوجي، وتعزيز الحوكمة والاستجابة لاحتياجات الأعضاء، وتفعيل الانخراط المتعدد الأطراف، وضمان الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا، ورفع أصوات المجتمعات المتنوعة في مسيرة حماية الطبيعة.

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين تؤيد مقترح جمعية حماية...

مقتطفات من كتاب تأييد وزيرة البيئة في لبنان، الدكتورة تمارا الزين، لمقترح مشروع تشغيل محمية وادي نهر...

لماذا أحبّ الصقور؟

أربعة فراخ صغيرة تنتظر، جائعة، غير مدركة أن أمها صعقت بعمود كهرباء ولن تعود أبداً. هنا دخل...

حدَّثتني واجهات المدن: صوَر حسين الموسوي توثّق العمارة والذاكرة...

 عندما عاد المصور والمصمم الإماراتي حسين الموسوي إلى بلاده عام 2013 بعد ثماني سنوات قضاها في الخارج،...