سمرقند 2026: عندما اجتمع العالم لإعادة رسم مستقبل البيئة على طريق الحرير

بقلم أسعد سرحال

في مدينة سمرقند الأوزبكية، تلك المدينة التي شكّلت عبر قرون طويلة ملتقىً للحضارات والتجارة والأفكار على طريق الحرير التاريخي، اجتمع قادة العالم وصناع القرار والخبراء وممثلو الشعوب الأصلية والمجتمع المدني والشباب لمناقشة واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في عصرنا: مستقبل الكوكب.

فمن 31 أيار/مايو إلى 5 حزيران/يونيو 2026، استضافت أوزبكستان الدورة الثامنة لجمعية مرفق البيئة العالمي (GEF)، في وقت يشهد العالم تصاعداً غير مسبوق في الأزمات البيئية والمناخية، وتزايداً في المخاوف بشأن قدرة المجتمع الدولي على تمويل التحول البيئي الضروري لمواجهة التحديات المتشابكة التي تهدد مستقبل البشرية. وقد تحوّل هذا الحدث إلى منصة عالمية لمراجعة ما تحقق خلال العقود الماضية، ورسم ملامح المرحلة المقبلة من العمل البيئي الدولي.

سمرقند… مدينة الماضي تستضيف نقاشات المستقبل

اختيار سمرقند لم يكن مجرد قرار لوجستي. فالمدينة التي عُرفت تاريخياً بأنها “جوهرة طريق الحرير” لطالما كانت مكاناً تلتقي فيه الشعوب والأفكار والتجارب المختلفة بحثاً عن حلول للتحديات المشتركة.

وفي كلمته الافتتاحية، استحضر الرئيس التنفيذي المؤقت لمرفق البيئة العالمي، كلود غاسكون، هذا البعد التاريخي، مؤكداً أن العالم يقف اليوم أمام لحظة مشابهة لتلك اللحظات المفصلية التي واجهتها الحضارات السابقة، حيث تتطلب الأزمات العابرة للحدود تعاوناً دولياً غير مسبوق. ودعا المجتمع الدولي إلى اغتنام هذه اللحظة بروح من التضامن والشجاعة والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

 أزمة كوكبية ثلاثية تهدد الجميع

جاء انعقاد الجمعية في وقت تتزايد فيه التحذيرات العلمية من تفاقم ما بات يُعرف بـ”الأزمة الكوكبية الثلاثية”، المتمثلة في تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث البيئي.

فالعالم يشهد ارتفاعاً متسارعاً في درجات الحرارة، وتراجعاً خطيراً في النظم البيئية، وتدهوراً متواصلاً في جودة الهواء والمياه والتربة. كما أن الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ باتت أكثر تكراراً وشدة، فيما تتعرض المجتمعات الهشة لمخاطر متزايدة نتيجة الفقر والنزاعات وانعدام الأمن الغذائي.

وأكد المشاركون أن هذه الأزمات لم تعد قضايا بيئية بحتة، بل أصبحت تحديات تنموية واقتصادية وأمنية تؤثر بشكل مباشر على استقرار الدول ورفاه الشعوب.

 أوزبكستان تعرض نموذجها للتحول الأخضر

استغلت أوزبكستان استضافة الحدث لتسليط الضوء على التحولات البيئية التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

فقد شدد رئيس الجمعية عزيز عبد الحكيموف، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون البيئة ورئيس اللجنة الوطنية للبيئة والتغير المناخي، على أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر بات أحد المحاور الرئيسية في السياسات الوطنية الأوزبكية. واستعرض سلسلة من المبادرات المتعلقة بخفض الانبعاثات الكربونية، وزيادة المساحات الخضراء، وحماية التنوع البيولوجي، وتحسين جودة الهواء، وتعزيز الابتكار البيئي.

أما سعيدة ميرزيوييفا، رئيسة الإدارة الرئاسية، فقد أعلنت باسم الرئيس شوكت ميرضيايف أن أوزبكستان ستصبح دولة مانحة لمرفق البيئة العالمي، في خطوة اعتبرها كثيرون مؤشراً على التحول الذي تشهده الدولة من متلقية للدعم البيئي إلى مساهم في تمويل الجهود الدولية لحماية البيئة. كما اقترحت إعلان سمرقند “عاصمة الاستثمار والابتكار الأخضر في آسيا الوسطى”.

تقييم الأداء: أكثر من 80% من المشاريع حققت أهدافها

خصصت الجمعية جانباً مهماً من أعمالها لتقييم أداء مرفق البيئة العالمي خلال السنوات الماضية.

وقدمت المديرة العامة لمكتب التقييم المستقل، غيتا باترا، نتائج الدراسة الشاملة الثامنة لأداء المرفق (OPS8)، والتي أظهرت أن أكثر من 80% من المشاريع الممولة نجحت في تحقيق أهدافها البيئية والتنموية. وأكدت أن قدرة المؤسسة على التعلم من التجارب السابقة والتكيف مع التحديات الجديدة تشكل أحد أبرز عناصر قوتها واستمراريتها.

وأشادت عدة دول، من بينها ألمانيا، بالنتائج التي أظهرتها الدراسة، معتبرة أنها تعكس وجود قاعدة علمية قوية ونهج قائم على النتائج في عمل المرفق، في وقت تتزايد فيه حملات التضليل والتشكيك بالعلوم البيئية.

 إطلاق المرحلة الجديدة: صندوق GEF-9

كان أبرز إنجازات الجمعية اعتماد المرحلة التاسعة من تجديد موارد الصندوق الاستئماني للمرفق، والمعروفة باسم GEF-9.

ويمثل هذا التجديد التزاماً جديداً من المجتمع الدولي بتمويل العمل البيئي العالمي خلال السنوات المقبلة، في ظل ظروف اقتصادية معقدة تتسم بتراجع المساعدات التنموية وارتفاع مستويات الدين العام في العديد من الدول النامية وتصاعد التوترات الجيوسياسية.

وأوضح غاسكون أن GEF-9 سيعتمد على مجموعة من الأولويات الجديدة، من بينها:

* تعزيز نهج “الحكومة بأكملها” و”المجتمع بأكمله”.
* توسيع دعم الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية.
* زيادة استخدام أدوات التمويل المبتكر والتمويل المختلط.
* الحفاظ على دعم قوي للدول الأقل نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية.
* تبسيط إجراءات الوصول إلى التمويل البيئي.

وأكدت دول عديدة أن نجاح GEF-9 لن يقاس فقط بحجم الأموال المخصصة، بل بمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة على الأرض وتحسين حياة المجتمعات المتضررة من الأزمات البيئية.

المجتمع المدني يطالب بدور أكبر

شهدت الجمعية حضوراً لافتاً لممثلي المجتمع المدني الذين طالبوا بإشراكهم بصورة أوسع في تصميم وتنفيذ المشاريع البيئية.

ودعا رئيس شبكة منظمات المجتمع المدني، فيصل باريش، إلى زيادة التمويل المباشر للمنظمات المدنية، وإشراكها في تطوير المشاريع منذ مراحلها الأولى، وتعزيز دورها في البرامج الإقليمية وعبر الحدود. كما شدد على أهمية الاستثمار في التعليم وبناء القدرات البيئية، مستفيدين من الخبرات المتراكمة لدى منظمات المجتمع المدني حول العالم.

 الشعوب الأصلية: لا حماية للطبيعة دون حماية الحقوق

كان صوت الشعوب الأصلية حاضراً بقوة خلال النقاشات.

وأكدت فيفيان سيلولي من المجموعة الاستشارية للشعوب الأصلية أن حماية البيئة لا يمكن أن تتحقق دون احترام حقوق الشعوب الأصلية والاعتراف بدورها كشريك أساسي في إدارة الموارد الطبيعية.

ورحبت بالتزام GEF-9 بتخصيص ما لا يقل عن 20% من تمويله للمجتمعات المحلية والشعوب الأصلية، معتبرة أن هذا الإنجاز جاء نتيجة سنوات طويلة من الحوار والنضال والمناصرة.

 النساء والشباب في قلب الحلول

برزت خلال الجمعية دعوات متزايدة لتعزيز مشاركة النساء والشباب في صنع القرار البيئي.

فقد أكدت أميليا أريغوين برادو، ممثلة تجمع المرأة والنوع الاجتماعي، أن النساء والفتيات لسن مجرد مستفيدات من البرامج البيئية، بل صاحبات حقوق ومعرفة وخبرات وقيادات مجتمعية تلعب دوراً محورياً في حماية البيئة.

وفي السياق نفسه، شدد ممثلو الشباب على ضرورة الانتقال من الاستماع إلى أصوات الشباب إلى إشراكهم فعلياً في وضع السياسات وتنفيذ المشاريع البيئية، معتبرين أن الأجيال الجديدة تمتلك القدرة على تقديم حلول مبتكرة للتحديات البيئية الراهنة.

التمويل المختلط: هل يستطيع القطاع الخاص إنقاذ الكوكب؟

من بين أكثر المواضيع التي أثارت اهتمام المشاركين كان البحث عن مصادر تمويل جديدة للعمل البيئي.

فالاحتياجات المالية اللازمة لتحقيق أهداف المناخ والتنوع البيولوجي تتجاوز بكثير الموارد المتاحة من الحكومات والمؤسسات الدولية التقليدية. لذلك ركزت عدة جلسات على مفهوم “التمويل المختلط”، الذي يجمع بين التمويل العام والاستثمارات الخاصة بهدف تقليل المخاطر وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في المشاريع البيئية.

وقدمت الإكوادور مثالاً على ذلك من خلال مشاريع مبادلة الديون مقابل حماية الطبيعة، والتي ساعدت في تحرير موارد مالية كبيرة لدعم جهود الحفاظ على البيئة دون الإضرار بالاستقرار المالي للدولة.

وأكد الخبراء أن نجاح هذه المقاربة يتطلب تبسيط الإجراءات المالية، وبناء قدرات المؤسسات الوطنية، وتوفير الضمانات اللازمة لجذب المستثمرين دون إهمال احتياجات المجتمعات المحلية.

 لا أحد يجب أن يُترك خلف الركب

حظيت الدول الجزرية الصغيرة والدول الأقل نمواً والدول المتأثرة بالنزاعات بحيز واسع من النقاشات.

فقد شدد المشاركون على أن هذه الدول تواجه أعباء بيئية هائلة رغم مساهمتها المحدودة في التسبب بالأزمات العالمية. كما طالبوا بزيادة التمويل المخصص لها، وتبسيط الوصول إلى الموارد المالية، وتقليل الأعباء البيروقراطية المرتبطة بإعداد التقارير وتنفيذ المشاريع.

وأكدت عدة مداخلات أن الدول الهشة لا ينبغي النظر إليها كمجرد متلقية للمساعدات، بل كشركاء متساوين في تصميم الحلول البيئية وتنفيذها، بما يراعي خصوصياتها الوطنية واحتياجات مجتمعاتها المحلية.

آسيا الوسطى كنموذج للتعاون الإقليمي

ومن أبرز المبادرات التي شهدتها الجمعية إطلاق المرحلة التنفيذية لبرنامج “رابط المياه والأراضي في آسيا الوسطى” (CAWLN)، الذي يهدف إلى معالجة التحديات المشتركة المتعلقة بالمياه والتربة والتنوع البيولوجي والأمن الغذائي في المنطقة.

وأكد المسؤولون المشاركون أن قضايا المياه والبيئة في آسيا الوسطى لا يمكن حلها ضمن حدود الدول منفردة، بل تتطلب تعاوناً إقليمياً عابراً للحدود، خاصة في ما يتعلق بإدارة الأنهار المشتركة والتصدي للتصحر والتغير المناخي.

 رسالة سمرقند إلى العالم

مع اختتام أعمال الجمعية الثامنة لمرفق البيئة العالمي، خرج المشاركون برسالة واضحة مفادها أن العالم لا يملك ترف الانتظار.

فالعلوم تؤكد أن الوقت المتاح لتجنب أسوأ سيناريوهات التغير المناخي يتضاءل بسرعة، فيما تتزايد الضغوط على النظم البيئية والموارد الطبيعية. وفي المقابل، أظهرت مناقشات سمرقند أن هناك إرادة متنامية لإعادة بناء الثقة في العمل متعدد الأطراف، وتعزيز الشراكات بين الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والشعوب الأصلية والشباب.

لقد كانت سمرقند، مرة أخرى، نقطة التقاء بين شعوب وأفكار مختلفة. لكن هذه المرة لم يكن الهدف تبادل البضائع أو المعرفة فحسب، بل البحث عن مستقبل أكثر استدامة وعدالة لكوكب يواجه أكبر اختبار في تاريخه الحديث.

وفي عالم تزداد فيه الانقسامات السياسية والاقتصادية، شكّلت الجمعية الثامنة لمرفق البيئة العالمي تذكيراً مهماً بأن حماية البيئة ليست خياراً سياسياً أو قضية قطاعية، بل شرط أساسي لبقاء المجتمعات واستقرار الدول وازدهار الأجيال القادمة. فالمعركة من أجل المناخ والطبيعة لم تعد معركة تخص العلماء أو الناشطين وحدهم، بل أصبحت معركة الإنسانية جمعاء.

مجلة الحمى العدد السادس

أصدرت جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) العدد السادس من مجلة "الحمى"، والذي يركّز على المؤتمر العالمي لحماية الطبيعة التابع للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) المزمع عقده في أبوظبي بين 8 و15 تشرين الأول 2025، حيث ستشارك الجمعية في أربع جلسات رئيسية. يتضمّن هذا العدد مقابلة حصرية مع رئيسة الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، رزان المبارك، التي شدّدت على أهمية مواءمة عمل الاتحاد مع الأجندات العالمية للتنوّع البيولوجي، وتعزيز الحوكمة والاستجابة لاحتياجات الأعضاء، وتفعيل الانخراط المتعدد الأطراف، وضمان الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا، ورفع أصوات المجتمعات المتنوعة في مسيرة حماية الطبيعة.

اقرأ الأعدادَ السابقة

spot_img
spot_img

تصفح المزيد

أسعد سرحال من سمرقند: المجتمع المدني شريك أساسي في...

شارك المدير العام لـ جمعية حماية الطبيعة في لبنان،  أسعد سرحال، في فعالية دولية رفيعة المستوى نُظمت...

إقرار “حمى بشري” وإعلان “حديقة البطاركة – الديمان” حمى...

في خطوة نوعية تعزز مسار الحماية المجتمعية للموارد الطبيعية والتراثية في لبنان، أُعلن عن إنشاء "حمى بشري"...

حماية الطبيعة في لبنان تنظّم المنتدى السنوي للحِمى لعرض...

برعاية وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين، ممثلة بالدكتورة كارلا خاطر، نظّمت جمعية حماية الطبيعة في لبنان  المنتدى...