تواجه الموارد الطبيعية وأنظمة دعم الحياة حول العالم معدلات تدهور غير مسبوقة، حيث يتضافر التلوث وفقدان التنوع البيولوجي وتغير المناخ في أزمة عالمية ثلاثية. وتتفاقم هذه الضغوط بفعل الاضطرابات والصراعات الجيوسياسية، وتراجع الالتزام بالتعاون الحكومي الدولي، وانحسار الحيز المدني.
في ظل هذه الظروف، انعقد المؤتمر العالمي للحفاظ على الطبيعة للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) تحت شعار «تمكين الحماية التحويلية». وأُقيم المؤتمر في مركز أبوظبي الوطني للمعارض خلال الفترة من 9 إلى 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2025، وجمع نحو 10,000 مشارك حضورياً وعبر الإنترنت.
تناول المؤتمر خمسة محاور مترابطة: تعزيز الحماية المرنة، والحد من مخاطر تغير المناخ، وتحقيق العدالة والإنصاف، والتحول إلى اقتصادات ومجتمعات صديقة للطبيعة، وتعزيز الابتكار والريادة في مجال الحماية. كما تزامن مع انعقاد خمس قمم، هي: القمة العالمية الأولى للشعوب الأصلية والطبيعة، وقمة الأعمال، وقمة الشباب، وقمة العمل الخيري، والقمة الثالثة للمحيطات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

اقتراحات وقرارات تاريخية
أقرت الجمعية العمومية للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، وهي أعلى هيئة لصنع القرار في الاتحاد، أكثر من 150 اقتراحاً، أرست العديد منها سوابق جديدة في السياسة البيئية العالمية.
وكان من أبرز هذه القرارات الدعوة إلى الاعتراف بالإبادة البيئية (Ecocide) بوصفها جريمة بموجب القانونين الوطني والدولي، وحث الدول على النظر في تعديل نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليشمل الإبادة البيئية ضمن الجرائم الدولية في أوقات السلم والنزاعات المسلحة.
كما تناولت عدة قرارات تحديات التحول العالمي في قطاع الطاقة. فركز أحدها على حماية التنوع البيولوجي وحقوق الإنسان في إدارة الموارد المعدنية، داعياً إلى خفض استهلاك الطاقة والمعادن من خلال تبني نهج الاقتصاد الدائري. كما طالب باتخاذ تدابير قوية لحماية النظم الإيكولوجية والشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، وفرض مناطق محظورة على التعدين في المواقع الحساسة، وتطبيق أعلى المعايير البيئية والاجتماعية على امتداد دورة التعدين.
واستكمالاً لذلك، نص قرار آخر على ضرورة وقف التوسع في استخدام الوقود الأحفوري، وتعزيز حماية النظم الإيكولوجية في مناطق الاستخراج، باعتبار ذلك جزءاً من عملية انتقال عادل للطاقة.
واعتمدت الجمعية العمومية أيضاً قراراً بشأن تعزيز الحيز المدني، مسلطة الضوء على التهديدات المتزايدة التي تواجه منظمات الشعوب الأصلية والمنظمات غير الحكومية وسائر الجهات الفاعلة في المجتمع المدني، باعتبارها شريكاً أساسياً في الإدارة الفاعلة للتنوع البيولوجي.
وشكل المؤتمر محطة فارقة باعتماده أول قرار سياسي عالمي بشأن البيولوجيا التركيبية (Synthetic Biology)، تناول استخداماتها وتأثيراتها في البيئة ومختلف القطاعات، مع التأكيد على الشفافية، وتقييم المخاطر، وإشراك أصحاب المصلحة في ما يتعلق بالتقنيات التي قد تُحدث تحولاً جذرياً، مثل تقنيات تعديل الجينات.
كما أقر اقتراحاً بشأن الهندسة الجيولوجية (Geoengineering)، اعترف بمخاطرها المحتملة على التنوع البيولوجي والمناخ في ظل محدودية الأدلة العلمية، ودعا إلى وضع أطر سياسات عالمية واضحة لتنظيم هذا المجال.
ومن بين القرارات المهمة أيضاً، إقرار الاقتراح الذي تقدمت به وزارة البيئة اللبنانية لدعم استعادة وتأهيل النظم البيئية المتضررة من الحرب.

رؤية وبرنامج ونداء للعمل
كان من أبرز محطات المؤتمر اعتماد الأعضاء رؤية استراتيجية جديدة للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة تمتد لعشرين عاماً تحت عنوان «متحدون من أجل الطبيعة على طريق 2045»، إلى جانب اعتماد برنامج العمل للفترة 2026-2029، الذي يشكل أول خطة تنفيذية لتحقيق هذه الرؤية.
ووصفت المديرة العامة للاتحاد، غريتل أغيلار، الاتحاد بأنه «قوة تغيير لا تُقهر»، مؤكدة أن الثقة بالعلم والمعارف التقليدية تمثل أساساً لمواجهة تحديات تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، وتصاعد الاستقطاب الجيوسياسي.
كما أشادت بعدد من الإنجازات التي أُعلن عنها خلال المؤتمر، من بينها إطلاق التقرير الرابع لتوقعات التراث العالمي، وإطلاق نهج RHINO (Rapid High Integrity Nature-Positive Outcomes)، وهو إطار جديد موجّه للقطاع الخاص لتسريع تحقيق نتائج إيجابية للطبيعة، إضافة إلى إصدار النسخة الثانية من المعيار العالمي للحلول القائمة على الطبيعة، وإطلاق شبكة عمل الاتحاد بشأن الأنهار الجليدية، والإعلان عن استمرار تعافي أعداد السلاحف البحرية الخضراء.
وأكدت أغيلار ثلاث أولويات رئيسية هي: توسيع نطاق العمل القائم على العلم، وضمان العدالة والشمول، ومواءمة الطبيعة مع الاقتصاد. كما أعلنت أن بنما ستستضيف المؤتمر العالمي للمناطق المحمية عام 2027.
واعتمدت الجمعية العمومية أيضاً «نداء أبوظبي للعمل»، الذي أُعد من خلال مشاورات واسعة داخل الاتحاد، وأكد أن تحقيق مستقبل عادل ومستدام وصديق للطبيعة يتطلب توحيد جهود الدول والمجتمعات والأجيال حول هدف مشترك هو:
«طبيعة واحدة، وبشرية واحدة، ومستقبل واحد.»
ودعا النداء إلى تحرك عالمي عاجل في خمسة مجالات ذات أولوية:
- التأكيد على الدور المحوري للطبيعة من خلال حماية التنوع البيولوجي واستعادته بوصفه أساساً لصحة الإنسان ورفاهيته، ودعم حماة الطبيعة والعمل المجتمعي.
- تعزيز التعددية عبر تشجيع القيادة الجماعية، والتعاون، والالتزام بالقانون الدولي، واعتماد سياسات منسقة تدمج الطبيعة في مختلف القطاعات.
- ضمان العدالة والشمول للنساء والشباب والشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية والمدافعين عن البيئة، من خلال المشاركة المنصفة والنهج القائمة على حقوق الإنسان.
- النهوض بالمعرفة والابتكار عبر الجمع بين العلم والمعارف التقليدية للشعوب الأصلية، والاستثمار في البحث والتعليم والتكنولوجيا للوصول إلى حلول قائمة على الأدلة.
- توسيع الموارد المخصصة للعمل البيئي، من خلال زيادة التمويل والموارد البشرية والتكنولوجية، وتوجيهها نحو اقتصادات متجددة وصديقة للطبيعة، وإصلاح سياسات الدعم الضارة وغير العادلة، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.
وتشكل هذه الركائز الثلاث التي خرج بها المؤتمر العالمي للحفاظ على الطبيعة، وهي الرؤية الاستراتيجية 2026-2045، وبرنامج العمل 2026-2029، ونداء أبوظبي للعمل، مساراً موحداً نحو تحقيق تحول جذري في مجال الحفاظ على الطبيعة خلال العقدين المقبلين.
وفي كلمتها الختامية، أكدت رئيسة الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة رزان المبارك، التي أُعيد انتخابها لولاية ثانية مدتها أربع سنوات، أن حماية الطبيعة ليست مجرد هدف بيئي، بل هي أساس رفاه الإنسان وازدهاره. ودعت أعضاء الاتحاد إلى الانتقال من الحوار إلى اتخاذ القرار والعمل، من أجل طبيعة واحدة، وبشرية واحدة، ومستقبل واحد.

تبنّي اقتراح لبنان بشأن استعادة وتأهيل النظم البيئية المتضررة من الحرب
صوّت المؤتمر العالمي للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) على الاقتراح رقم 148، الذي بادرت به وزارة البيئة اللبنانية بعنوان: «دعم استعادة وتأهيل النظم البيئية المتضررة من الحرب»، واعتمده رسمياً ضمن القرارات الدولية الصادرة عن المؤتمر.
ويشكّل هذا القرار محطةً مفصلية تفتح المجال أمام تعاون وطني ودولي واسع النطاق يهدف إلى:
- تنفيذ التقييمات البيئية لما بعد الحرب، وتوثيق الأضرار التي لحقت بالنظم البيئية.
- تبادل الخبرات والدعم الفني بين لبنان والدول والمنظمات الأعضاء والشريكة في الاتحاد.
- إدماج البعد البيئي في خطط إعادة الإعمار والاستجابة الإنسانية، بما يعزّز التعافي المستدام بعد الأزمات.
ويُعدّ اعتماد هذا القرار إنجازاً مهماً على طريق إعادة تأهيل البيئة اللبنانية بعد الأضرار الواسعة التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية على لبنان، والتي طالت الغابات والموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي. ويؤكد القرار أن استعادة النظم البيئية وتأهيلها يشكلان جزءاً أساسياً لا يتجزأ من عملية التعافي وإعادة الإعمار، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر استدامة وقدرة على الصمود.







