تُجسد محمية إنتلبوخ المحيط الحيوي التابعة لليونسكو جميع وجوه التنمية المستدامة، إذ تدمج صون التنوع البيولوجي والتراث الثقافي وتعزيز الاقتصاد المحلي والبحث والتعليم مع استعادة الموائل وتمكين المجتمعات من أجل مستقبل زاهر
تانيا كوخ
تُعدّ محميات المحيط الحيوي نماذجَ رائدة للتنمية المستدامة، وقد صنفتها اليونسكو ضمن برنامجها “الإنسان والمحيط الحيوي” (MAB) الذي يُركّز على الإنسان وعلاقته بالبيئة. وهناك اليوم 785 محمية محيط حيوي في 142 دولة حول العالم.
انضمت محمية إنتلبوخ إلى هذه الشبكة الرائعة عام 2001 كأول محمية في سويسرا تستوفي “معايير إشبيلية” المعتمدة لمحميات المحيط الحيوي. فبالتعاون مع السكان المحليين، تُصان الطبيعة والثقافة، ويُعزّز الاقتصاد المحلي، وتُنفّذ برامج البحوث والتعليم المستدام. وفي عام 2008، اعترفت بها الحكومة السويسرية أيضاً كأول منتزه طبيعي إقليمي ذي أهمية وطنية. واليوم، بات في سويسرا 18 منتزهاً طبيعياً إقليمياً ومنتزهان لاكتشاف الطبيعة ومنتزه وطني.
تضم محمية إنتلبوخ المحيط الحيوي سبع بلدات في كانتون لوسيرن، حيث يعيش حوالي 17,000 نسمة على ما يُقارب 1% من إجمالي مساحة البلاد. وهي منطقة ريفية نموذجية في قلب سويسرا على منحدرات جبال الألب. هنا تستقطب الزراعة حوالي 21% من اليد العاملة، ويُشكّل قطاع السياحة مصدر دخل رئيسي آخر. وتتميز المنطقة بتنوعها الطبيعي الخلاب، علماً أن الحماية تُغطّي أكثر من 50% من مساحتها. كما تزخر بحياة ثقافية نابضة إذ تضمّ أكثر من 400 جمعية، بينها 100 في مجال الموسيقى.

بماذا تتميز إنتلبوخ؟
التنوع البيولوجي والثقافة: ضمن الشبكة العالمية لمحميات المحيط الحيوي، تُمثّل محمية إنتلبوخ أراضي المروج الجبلية والتكوينات الكارستية. والعمل مستمر فيها للحفاظ على الموائل المُهدّدة بالانقراض وإعادة تأهيلها حيث يلزم.
التنمية الاقتصادية: هناك حالياً نحو 500 منتَج محلي تحمل العلامة التجارية Echt Entlebuch (إنتلبوخ الأصلي). وتتولى شركة Biosphäre Markt AG مسؤولية تنسيق المنتجات وتوزيعها.
السياحة: تطوّر كل بلدة في المحمية هويتها الفريدة وتجاربها الخاصة. ويتولى فريق التسويق التابع للمحمية مسؤولية تسويق الوجهات السياحية بالتعاون مع خمسة شركاء سياحيين رئيسيين في المنطقة.
التعليم والعلوم: يواكب التعليم والبحث العلمي التغيرات في المنطقة. ويستفيد حوالي 10,000 مشارك سنوياً من الفرص التعليمية والبحثية المتنوعة التي توفرها المحمية.
الإدارة والتواصل: تُعتبر إنتلبوخ أول محمية محيط حيوي تم تأسيسها بعملية ديموقراطية مباشرة. وهي تُدار كجمعية بلدية تعمل على صياغة مستقبل المنطقة بالتعاون مع السكان المحليين المبدعين.
وكما هي الحال في محميات المحيط الحيوي، تنقسم إنتلبوخ إلى ثلاث مناطق وفقاً لدرجة التأثير البشري: المنطقة الأساسية (core zone) هي قلب المحيط الحيوي حيث تُعطى الأولوية للطبيعة، وتشكل 8% من مساحة محمية إنتلبوخ، وتضم جبل شراتنفلوه الكارستي والمستنقعات المرتفعة ومحمية حظر الصيد. أما المنطقة العازلة فهدفها صون وتعزيز المناظر الطبيعية التقليدية التي تحمل بصمة الإنسان، وهي تشكل 42% من مساحة المحمية وتضم الأراضي البور المفتوحة والمعالم الطبيعية ذات الأهمية الوطنية. وأما المنطقة الانتقالية فهي المساحة المعيشية والاقتصادية والترفيهية للناس، وتشكل 50% من مساحة المحمية. وهذا التقسيم هو جزء لا يتجزأ من خطة التنمية الإقليمية، وبالتالي فهو مُلزم رسمياً.

إعادة تأهيل مستنقع “غرونهولز”
نظراً إلى الظروف المناخية، وبمعدل أمطار يصل إلى 2000 مليمتر سنوياً، تضم محمية إنتلبوخ المحيط الحيوي عدداً من المستنقعات يفوق المتوسط في سويسرا. وتُعدّ مستنقعات التكدسات النباتية الحمضية، التي تشكلت على مدى آلاف السنين، موطناً للعديد من الأنواع النادرة والمتخصصة للغاية. ومن الأمثلة على ذلك النبتة النديّة المفترسة Drosera rotundifolia التي لا يتجاوز طولها 5-12 سنتيمتراً. فلكي تحصل على ما يكفيها من النيتروجين في هذه المستنقعات الفقيرة بالمغذيات، تجذب الحشرات التي تعلق في مجسّاتها اللزجة وتهضمها.
للأسف، تم تدمير نحو 90% من مستنقعات سويسرا خلال المئتي سنة الماضية، والسبب الرئيسي تجفيفها لأغراض الزراعة والغابات والمستوطنات البشرية. وتلتزم محمية إنتلبوخ المحيط الحيوي بالحفاظ على هذه الموائل النادرة من خلال تخطيط مشاريع لإعادة تأهيلها، ويتم التنفيذ بالتعاون مع شركات محلية. وتمول حكومة الكانتون كامل المشروع من ضمن مسؤوليتها عن تنفيذ تدابير حماية الأراضي الرطبة.
بعد سنوات من التخطيط، أُعيد ترميم مستنقع غرونهولز المرتفع عام 2024. أُغلقت قنوات الصرف القديمة بألواح خشبية لحجز المياه داخل المستنقع، ثم رُدمت القنوات، وأُعيد ترميم البرك الموجودة. أمضى المتطوعون أسابيع في إزالة الأشجار والشجيرات الماصّة للماء من المستنقع، مع تخفيف كثافة الأشجار على حافة الغابة مما سمح بدخول المزيد من الضوء إلى البرك وجعلها جاذبة لليعسوب وحشرات أخرى كي تتكاثر من جديد.
سوف يستغرق الأمر بعض الوقت حتى تؤتي هذه الإجراءات ثمارها بالكامل ويتعافى المستنقع. وإعادة ترطيب المستنقعات لا تقتصر نتائجها على الحؤول دون فقدان المزيد من الأنواع، بل تُساهم أيضاً في حماية المناخ. فالمستنقعات خزانات للكربون. وفي المستنقعات المُجففة يتحلل الخثّ – أي المادة العضوية المترسبة – مُطلقاً كميات كبيرة من ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي. أما إعادة الترطيب، كما حصل في مستنقع غرونهولز، فتمنع حدوث ذلك.
تانيا كوخ مديرة مشروع للتنوع البيولوجي والمناظر الطبيعية في محمية إنتلبوخ المحيط الحيوي







