أربعة فراخ صغيرة تنتظر، جائعة، غير مدركة أن أمها صعقت بعمود كهرباء ولن تعود أبداً. هنا دخل الزوج إلى الصورة، مُخالفاً كل غريزة. راح هذا الصقر الذكر يصطاد وحيداً ويُطعم أربعة أفواه. واليوم، تُحلّق الفراخ الأربعة في هجرتها إلى هضبة التيبت، لأن صقراً واحداً رفض الاستسلام
منير فيراني
الهجرة متأصلة في دمي. وُلد جدي في الهند، وأنا ولدتُ ونشأتُ في نيروبي عاصمة كينيا، ثم هاجرتُ إلى الولايات المتحدة. واليوم، أعتبر أبوظبي موطني. أربع رحلات، أربع طبيعات، أربعة أماكن شكلت شخصيتي. ومثلي أنا، يُعدّ الصقر مهاجراً. فهو يهاجر من سهوب منغوليا إلى هضبة التيبت في الصين عبر طرق قديمة محفورة في السماء.
تخيّلوا الآن سهوب منغوليا، مساحات خالية، لا نهاية لها، محيط مسطح من العشب. أحياناً، وأنت تقف هناك، تشعر وكأن السماء تختبرك. ففي مكان شاسع وأبدي وثابت كهذا، يمكن لعمود كهرباء أن يُسقط أحد أسرع وأشرس الصيادين على وجه الأرض. ففي حزيران (يونيو) 2025، كان فريقنا يُجري مسحاً لهذه المنطقة عندما تجمّد أفراده أمام مشهد صادم. هناك، تحت العمود، رقد أحد أروع المخلوقات، جناحان مفرودان على مصراعيهما، ساكنان إلى الأبد.
تلك كانت أنثى صقر حرّ اسمها X26. لكن قصتها لم تنتهِ هنا. ففي عش اصطناعي بنيناه على بُعد 15 كيلومتراً كانت أربعة فراخ صغيرة تنتظر. كانت جائعة، تُنادي، غير مدركة أن أمها لن تعود أبداً. هنا دخل الزوج إلى الصورة، مُخالفاً كل غريزة، مُخالفاً كل برنامج تطوري. ويوماً بعد يوم، مطاردةً بعد مطاردة، راح هذا الصقر الذكر يصطاد وحيداً ويُطعم أربعة أفواه جائعة. واليوم، تُحلّق الفراخ الأربعة في هجرتها الأولى إلى هضبة التيبت، حيّة جداً، لأن صقراً واحداً رفض الاستسلام.
هذا التحدي الفردي يجسد الخيارات التي نواجهها اليوم في مجال حماية الطبيعة.

إليكم ما يحدث الآن: كل ثلاث ثوانٍ يموت طائر صعقاً بالكهرباء. هذا يعني عشرة ملايين طائر سنوياً! تخيّلوا هذا الرقم للحظة. في أفريقيا، حيث وُلدت، خسرنا ثلاثة أرباع أعداد الطيور الجارحة خلال الأجيال الثلاثة الماضية. في دراسة شملت ألف طائرٍ تم تتبّعها إلى أفريقيا، تبيّن أن نصفها نفق بسبب خطوط الكهرباء. هذه ليست مشكلةً نائية، بل هي حالة طوارئ عالمية. ومثل رفيق X26، لدينا نحن أيضاً خيار. فإما أن نقف مكتوفي الأيدي ونستسلم لهذه المأساة، وإما أن نتدخل فوراً عندما تكون الحياة على المحك.
عام 2018، فزتُ بجائزة “ويتلي” المرموقة لعملي على الصقور الأفريقية. غيّرت تلك اللحظة كل شيء. فجأةً، لم أعد مجرد عالم أحياء ميداني في الأدغال. لقد قدّرني “صندوق ويتلي” عندما كنتُ لا أزال أنام في الخيام، أطارد الصقور عبر السافانا ويداي ملطختان بفضلاتها، ولم يكن أحدٌ يعرف اسمي. منحني هذا التقدير الشجاعة لأحلم أحلاماً أكبر، ولأخرج من الميدان إلى ساحة حماية البيئة العالمية حيث تكون لصوتي قيمة. وقادني ذلك إلى منغوليا، إلى صندوق محمد بن زيد لحماية الطيور الجارحة في أبوظبي، وإلى قصة X26، لأن تقديراً واحداً يُحدث أحياناً أثراً بالغاً يُغير العالم.
لكن X26 لم تكن صقراً عادياً. فعلى مدى أكثر من 3000 عام حملت الصقور أحلام البشر وقوتهم. في مصر القديمة كان الناس يعبدون الإله حورس الذي له رأس صقر. وبعد قرون، خاض جنكيزخان العظيم المعارك وهو يُطيّر صقوره، فأصبحت رمزاً للإمبراطورية. واليوم، الصقر هو الطائر الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة. وفي منغوليا، هو رمز الأمة، خالد كالحصان، راسخ كالسهوب. الصقر الحر ليس مجرد طائر جارح، إنه طائر الملوك، طائر الأمم، طائر الإمبراطوريات. ومع ذلك، فإننا نقتله بالآلاف كل عام. في منغوليا، يموت نحو 18,000 طائر جارح سنوياً بسبب الصعق الكهربائي، بينها 4,000 صقر حر.
ماذا لو أخبرتكم أننا وجدنا حلاً لهذه المشكلة؟ عندما بدأنا عملنا في منغوليا في منتصف التسعينات، وخلال جهودنا لحماية الصقور الحرة، كان كل عمود كهرباء بمثابة فخ مميت. وفي 2005، انطلاقاً من تقدير الإماراتيين لرياضة الصيد بالصقور، بدأنا أحد أكثر برامج الحماية طموحاً في التاريخ. وبالتعاون مع مجتمعات الرعاة، قمنا بتركيب 5000 عش اصطناعي، أنتجت 30,000 صقر حر في البرية. عزلنا 27,000 عمود كهرباء تغطي 80% من مساحة منغوليا، على امتداد أكثر من 3000 كيلومتر، مما قلص حالات الصعق الكهربائي بنسبة 95%. استثمرنا في الناس، ومنحناهم الثقة ليصبحوا القادة الذين هم اليوم.
هكذا يكون تغيير مسار الأمور، عندما تتضافر جهود العلم والمجتمع والشجاعة. وبوجود أعداد كبيرة من الصقور، تحوّل موقع دراستنا إلى “فزّاعة”: فقلّ ظهور القوارض التي كانت تُلحق الضرر بالمراعي، إذ لم تعد تصعد إلى السطح، مما أتاح للمراعي فرصة للتعافي. وهذه المراعي ليست مجرد موئل، بل هي خزانات كربون حيوية بالغة الأهمية في مكافحة تغير المناخ.
تتبّعنا صقورنا من منغوليا إلى هضبة التبت في الصين، مُثبتين أن كل موسم آمن في منغوليا يُحدث أثراً مُضاعفاً على بُعد آلاف الكيلومترات. كل عمود أمان، وكل عش بنيناه، وكل طالب درّبناه، يُساهم في ذاك الأمل المُحلّق.
إذاً، كيف يبدو النجاح؟ النجاح هو صقورٌ تحطّ على أعمدة كهرباء آمنة، بدل أن تموت في الأسفل. هو فراخٌ تُريّش في أعشاشٍ بناها البشر لكنّها تطير بأجنحةٌ برية. هو الرعاة والعلماء والمجتمعات والحكومة يعملون جنباً إلى جنب. وهو فراخ X26 التي ما زالت على قيد الحياة اليوم، لأنّ صقراً واحداً ومجتمعاً عالمياً رفضا رؤيتها تموت.
الحل بسيط جداً. ليس مكلفاً. لا يستغرق عقوداً. كل ما يتطلبه هو الإرادة. لذا أطلب منكم أن تتذكروا X26. تذكروا رفيقها الذي رفض الاستسلام. تذكروا فراخهما الأربعة التي تشق طريقها الآن في سماء آسيا. لأن هذا هو جوهر الحفاظ على البيئة: التدخل عندما يكون العالم في أشد حالات الهشاشة، ومنح الحياة فرصة ثانية. إذا استطاعت منغوليا فعل ذلك، فكذلك كازاخستان حيث نُوسّع نطاق عملنا الآن، وكذلك قيرغيزستان والهند وأفريقيا، وأي مكان آخر. بإمكاننا القضاء على صعق الطيور بالكهرباء، ليس غداً ولا بعده، بل الآن، لأن التكنولوجيا جاهزة، ولأن الكلفة زهيدة، ولأن الأمل، كالصقر الحر، مقدّر له أن يحلق دائماً.
الدكتور منير فيراني هو الرئيس التنفيذي لصندوق محمد بن زايد لحماية الطيور الجارحة، ومقرّه أبوظبي، وهو مكرّس لحماية الجوارح المُهددة بالانقراض حول العالم. وهذه كلمته في قمة “الناس من أجل الكوكب” التي نظمها “صندوق ويتلي للطبيعة” في لندن في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025. لمزيد من المعلومات عن عمل صندوق محمد بن زايد لحماية الطيور الجارحة، يمكن زيارة الموقع الإلكتروني www.mbzraptorfund.org






